ألقاب كاذبة.
-إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء. ليس من المنطق، ولا من الحكمة، أن نصمت عن قلّة الأدب في القول والفعل؛ فلو تُرك الناس بلا نصحٍ ولا نقد، ولا استنكارٍ ولا استهجان، ولا إنكارٍ للمنكر، لغلب شرار القوم خيارهم، واستشرى الانحطاط حتى يطغى على القيم، ويصبح الباطل مألوفًا، والسكوت عنه فضيلةً في نظر أصحابه.
-فئةٌ كبيرة اتخذت لقب «شيخ» جزءًا من هياطها ووجاهتها المصطنعة، وفئةٌ أكبر تصدّرت أسماؤها بلقب «دكتور»، وبعضهم لم يتجاوز المرحلة المتوسطة، وأسماءٌ كثيرة تسير على النهج ذاته، وكأن الألقاب أصبحت تُنال بالادعاء، لا بالعلم والاستحقاق.
-وقد أنكرنا ذلك، وأنكره غيرنا، ومع ذلك ما زالت الظاهرة في ازديادٍ واستفحال، حتى غدا اللقب عند بعضهم أهم من المؤهل، والصفة أسبق من الحقيقة.
-أما اللقب القنبلة، الذي تبنّاه بائع الغنم، وبائع الكبدة، وكل من لا مهنة له ولا مؤهل، فهو لقب «مستشار»؛ ذلك اللقب الذي أصبح الأكثر تداولًا بين الكذّابين النصّابين، وهواة الشهرة، والمتطلعين إلى وجاهةٍ لا يستحقونها، وهم عراةٌ من العلم والخبرة ومقوّمات الاستشارة.
-والمصيبة ليست في اللقب ذاته، وإنما في أن يتحول إلى وسيلةٍ لخداع الناس، وصناعة صورةٍ زائفة، وادعاء مكانةٍ لا يسندها علمٌ ولا تجربةٌ ولا مؤهل.
-حين يغيب النصح، ويُترك الباطل بلا مقاومة، يتمدّد في صمت، حتى يفرض نفسه سيّدًا على الساحة. ومع مرور الزمن، يغدو هو الصوت الأعلى، ويصبح أصحابه هم الأكثر حضورًا، فيُجبر الناس على السير خلف هذا الواقع المصطنع، ويُرمى أهل الحق والإنكار بتهمة الشذوذ عن السائد.
-وهنا يبرز السؤال: أين وزارة الإعلام عن هؤلاء؟ وأين الضمير الحي أمام هذه الظاهرة؟
-إن لم يكن هناك مسؤولون ورجال أحرار يضعون حدًّا لهذا العبث بالألقاب، ويعيدون لكل لقبٍ حرمته وقيمته واستحقاقه، فلا عجب أن تختلط المعايير، وأن يتقدّم المتطفل على المتخصص، والمدّعي على صاحب العلم، حتى يبلغ بنا الأمر إلى أن يقود أسرابَ الصقور غرابًّ.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


