أمثال خاطئة.. نردّدها بلا تفكير!
-أنا لا ألوم من ابتكر الأمثال وألّفها، حتى وإن كانت خاطئة، بقدر ما ألوم من يردّدها دون تفكير أو تمعّن، وكأنها حقائق لا تقبل النقاش، أو حِكم لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!
-أولًا: «القانون لا يحمي المغفّلين».
بالله عليكم، أيُّ منطق هذا؟ أليس من واجب القانون أن يحمي الجاهل قبل العاقل، والضعيف قبل القوي، والمغفّل قبل الفطن؟ فإذا كان القانون لا يحمي من يجهل حقوقه أو يقع ضحية خداع غيره، فمن الذي وُضع القانون لحمايته؟ أذوي الذكاء والفطنة وحدهم؟ إن وظيفة القانون ليست مكافأة الأذكياء، بل إقرار الحقوق، وردع المعتدين، وحماية الناس، مع مراعاة أحكامه ومسؤولية كل شخص عن أفعاله.
-ثانيًا: «القناعة كنز لا يفنى».
يا سادة، ما أجمل القناعة حين تكون راحةً للنفس، وما أقبحها حين تُتخذ ذريعةً لتكريس الفقر والاستسلام! كم من فقير رُدّد على مسامعه هذا المثل حتى رضي بالقليل، بينما يركض بعض من يردّدونه خلف المال، لا تشبعهم ثروة ولا تقنعهم مكاسب! فإن كانت القناعة كنزًا لا يفنى، فلماذا لا يكتفي بها من ينصحون الفقراء بها؟ ولماذا تصبح فضيلةً يُطالب بها الفقير، ولا يلتزم بها الغني؟ القناعة فضيلة، نعم، لكنها لا تعني الرضا بالظلم، ولا ترك السعي، ولا التنازل عن حق تحسين الحياة.
-ثالثًا: «أمسك العصا من المنتصف».
والله إنني لأعجز عن فهم هذا المثل إذا أُخذ على ظاهره، وإذا أُريد به الوقوف في منتصف كل قضية! فإذا كانت للعصا نهايتان، وكان إحداهما ترمز إلى الخير والأخرى إلى الشر، فلماذا أتمسك بالمنتصف؟ ولماذا لا أنحاز إلى الخير وأترك الشر؟ إن الاعتدال حكمة حين يكون بين طرفين مقبولين، أما الوقوف في المنتصف بين الحق والباطل، أو العدل والظلم، فليس حكمةً بالضرورة، بل قد يكون تخلّيًا عن المبدأ في ثوب الحكمة.
-رابعًا: «من يعمل يخطئ، ومن لا يعمل لا يخطئ».
يُستشهد بهذا القول لتبرير الأخطاء، وكأن مجرد العمل يمنح صاحبه عذرًا عن كل تقصير. نعم، من يعمل قد يخطئ، لكن ذلك لا يعني أن يستهين بأخطائه، أو يتخذها حجةً للتهرب من المسؤولية. وفي المقابل، فإن من لا يعمل قد يتجنب أخطاء العمل، لكنه يرتكب خطأً آخر حين يعطّل قدراته ويضيّع فرصه. فالمعيار ليس أن نعمل أو لا نعمل فحسب، بل أن نعمل بإتقان، ونتعلم من أخطائنا، ونسعى إلى تقليلها. فالخطأ الذي نتعلم منه خبرة، أما الخطأ الذي نبرّره ونكرّره فليس إلا تقصيرًا.
-خامسًا: «خلك ذيب، لا تصير حمار».
أيُّ مقاييس هذه التي تجعل الذئب رمزًا للذكاء، والحمار رمزًا للغباء، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون عاقلًا إلا إذا تشبّه بالحيوان المفترس؟ إن كان المقصود بالذئب الدهاء واستغلال الآخرين، فهذه ليست صفات تستحق الإعجاب. وإن كان المقصود بالحمار السذاجة، فقد ظلمنا الحمار بهذا التشبيه؛ فهو حيوان صبور، نافع، يتحمل الأعباء، ويحمل المتاع والمحاصيل، ويخدم الإنسان في أعمال شتى. أما الذئب، فقد يفترس الماشية ويهددها. فكيف نفضّل رمزًا للافتراس على رمز للصبر والمنفعة؟!
-ولست أقول إن الحمار أفضل من الذئب في كل صفة، ولا إن التشبيهين يصلحان للحكم على الإنسان؛ بل أقول إن من الغريب أن نربط المكر بالذكاء، والطيبة أو البساطة بالغباء، ثم نطالب أبناءنا بأن يكونوا أذكياء، ونقصد بذلك أحيانًا أن يكونوا أكثر دهاءً وأقل رحمة.
-الخلاصة:
ليست كل الأمثال حكمًا، ولا كل ما ورثناه عن السابقين حقيقةً ثابتة. فبعض الأمثال يصيب الحكمة، وبعضها يختزل تجارب محدودة في قاعدة عامة، وبعضها يُساء فهمه، وبعضها يُستخدم لتبرير العجز أو تمرير المصالح.
-المشكلة ليست في أن يقول الناس الأمثال، بل في أن يمنحوها حصانةً من النقد، ويردّدوها لمجرد أنها شاعت على الألسنة.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


