في تلك الحجرة الطاهرة التي شهدت تنزل الوحي وانفلاق فجر الرسالة، ساد صمت لم تعرف الأرض بمثله عمقًا وجلالًا لم يكن صمتًا عابرًا، بل كان ذهولًا حل بالوجود وهو يرقب اللحظات الأخيرة لخير من مشى على التراب صلى الله عليه وسلم.
هناك حيث يمتزج كبرياء الوفاء بعفوية الدمع النقي كان سيد الخلق يضع رأسه الشريف في حجر الصديقة عائشة، لم يكن يطلب بقاء في دنيا فانية ولا مكوثًا في مرافئ أرضية بل كانت عيناه الشريفتان ترنوان نحو السماء، نحو أفق أعظم وأسمى.
وحين خُيِّر بين زهرة الحياة الدنيا وبقاء ملكها، وبين ما عند الله من النعيم المقيم، لم يتردد ثانية واحدة لم ينطق بصخب، بل همست شفتاه الطاهرتان بكلمات زلزلت أركان المدى وثبتت معالم اليقين في قلوب الأمة: “بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى”.
يا سلام على جلال ذلك الموقف وعظمته! إنها الكلمة التي اختصرت فلسفة الوجود وزهد الأنبياء لقد علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في رمقه الأخير أن المؤمن الصادق لا يبيع الباقية بالفانية، ولا يربط نبض فؤاده بزخرف زائل، بل يتوق دومًا إلى موطنه الأول، إلى جوار رب العزة حيث الطهر والسكينة التي لا تنقطع.
رحل الجسد الطاهر وبقي الأثر حيًا كالغيث الماطر في كل شبر من حياتنا. إن كلمات الوداع النبوي تضعنا اليوم أمام ثبات وعصامية تجعلنا نتمسك بالحق، ونسير بوعي واتزان إنساني شامخ ، موقنين بأن غياب الجسد لا يعني غياب المنهج، وأن الشمعة التي أشعلها بالهداية لن تنطفئ أبد الآبدين.
صلوات الله وسلامه عليك يا حبيبنا يا رسول الله، يامن اخترت الجوار الأسمى وتركتنا على المحجة البيضاء.
للتواصل مع الكاتب [email protected]


