الباب المغلق.
-«مقابلة المدير من الساعة الواحدة ظهرًا حتى الساعة الثانية مساءً».
عبارةٌ لم أرَ أقبح منها، ولم أسمع بما هو أسوأ منها معنىً ومضمونًا؛ عبارةٌ يعلّقها بعض رؤساء ومديري الدوائر الحكومية على أبواب مكاتبهم، وكأنهم يملكون حقّ تحديد الوقت الذي يسمحون فيه للمواطنين بمقابلتهم، وكأن أبواب المسؤولية لا تُفتح إلا بإذنٍ منهم، أو أن مصالح الناس شأنٌ ثانويٌّ يمكن تأجيله وفق أهوائهم ورغباتهم.
-إنها عبارة تختزل مفهومًا خاطئًا للمسؤولية، وتكشف عن خللٍ في فهم الوظيفة العامة وواجباتها. فقد اتخذها بعضهم ذريعةً للابتعاد عن المواطنين، والتخفّف من أعباء خدمتهم، حتى تحوّلت من تنظيمٍ إداريٍّ مفترض إلى حاجزٍ يفصل المسؤول عن أصحاب الحقوق والمصالح.
-أيها المدير المتعجرف، من الذي أقنعك بأن ساعةً واحدة من يومك تكفي لاستقبال المراجعين؟ ومن منحك الحق في أن تجعل مقابلة المواطن استثناءً، مع أنها جزءٌ أصيل من واجباتك الوظيفية؟
-يا هذا، إن المنصب ليس امتيازًا شخصيًّا، ولا المكتب ملكًا خاصًّا، ولا المواطن ضيفًا ثقيلًا يحتاج إلى موعدٍ استثنائي حتى يحظى بدقائق من وقتك. إنك موظفٌ في خدمة الناس، وما تتقاضاه من راتبٍ في نهاية الشهر ليس منّةً منك على أحد، وإنما هو مقابل عملٍ تؤديه، ومسؤولياتٍ تنهض بها، وواجباتٍ تلتزم بها طوال ساعات الدوام الرسمي.
-فكيف يستقيم أن تحرص على راتبك أكثر من حرصك على أداء واجبك؟ وكيف تطالب بحقوقك الوظيفية كاملةً، بينما تختزل واجباتك تجاه المواطنين في ساعةٍ واحدة، ثم تتركهم يواجهون أبوابًا مغلقة، ومعاملاتٍ معلّقة، وحاجاتٍ لا تحتمل التأجيل؟
-أيها المتذرّع بالانشغال، أيها الهارب من مقابلة أصحاب الحاجات، لقد عرفنا الساعة التي خصّصتها لاستقبال المراجعين، ولكن ماذا عن الساعات السبع الأخرى؟
-أين تذهب خلالها؟ وما الذي يشغلك عن الناس الذين جاؤوا إليك طلبًا لإنصافهم، أو بحثًا عن حلٍّ لمشكلاتهم، أو متابعةً لمعاملاتٍ قد تتوقف عليها مصالحهم وأرزاقهم؟ وهل أصبحت مقابلة المواطن عبئًا ثقيلًا على المسؤول، بدلًا من أن تكون واجبًا يمليه عليه منصبه وضميره؟
-لقد رأيت بأمّ عيني عددًا من وكلاء إمارة منطقة المدينة المنورة، ومدراء بعض الدوائر الحكوميّة ابواب مكاتبهم مفتوحة طوال ساعات الدوام الرسمي. وهؤلاء وأمثالهم يقدمون صورةً مختلفة للمسؤولية، ويؤكدون أن المسؤول الجاد لا يحتاج إلى بابٍ مغلق يحتمي خلفه، ولا إلى مواعيد ضيقة يتوارى وراءها، ما دام يؤدي عمله، ويؤمن بأن خدمة الناس شرفٌ ومسؤولية.
وقفة.
الرجل لا ضاقت الدنيا عليه
يزبنك وإلّا يموت من القهر؟!
للتواصل مع الكاتب 0505300081


