يطل علينا اليوم الكاتب والاديب الاستاذ – فيصل خزيم العنزي من مخزون ذاكرته فيروى فى مشهد يختصر الكلمات فماذا قال فى هذا المقال الجزائر لا تنسى شهداءها لأن الحرية التي لا تحفظ ذاكرة صانعيها تفقد شيئاً من معناها.
حين تأتي إلى الجزائر تشعر منذ اللحظة الأولى أنك أمام وطنٍ لا يكتفي بالاحتفاء بتاريخه بل يجعل تاريخه حاضراً في تفاصيل حياته اليومية في أسماء الشوارع والمدارس، وفي صور الشهداء التي تزيّن الأمكنة وفي الذاكرة الوطنية التي تروي للأجيال حكاية شعبٍ دفع من دمه ثمن الحرية والاستقلال.
وكأن الجزائر تقول للعالم في صمتٍ مهيب : نحن بلد الشهداء وهؤلاء الذين رحلوا من أجل الوطن ما زالوا يسكنون وجداننا ويكتبون حضورهم في حاضرنا ومستقبلنا !! وفي قلب العاصمة الجزائرية يقف مقام الشهيد شامخاً، كأنه قصيدةٌ من حجرٍ ونور، تختصر حكاية شعبٍ أبى أن يعيش منكسراً .. واختار أن يشق طريقه إلى الحرية مهما بلغت التضحيات.
افتُتح هذا الصرح الوطني عام 1982 تخليداً لذكرى شهداء الثورة التحريرية الجزائرية وجاء تجسيداً لفكرة الرئيس الراحل هواري بومدين فيما افتتحه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد ومنذ ذلك الحين أصبح المقام رمزاً وطنياً خالداً وشاهداً على تضحيات الرجال الذين كتبوا بدمائهم صفحة الاستقلال !!
هو ليس مجرد نصبٍ تذكاري ولا معْلَمٍ سياحيٍّ يزوره القادمون إلى الجزائر إنه رسالة وطنية تختصر تاريخاً من الألم والصمود وتذكيرٌ دائم بأن الأوطان لا تُمنح حريتها على طبقٍ من ذهب بل تنتزعها الشعوب التي تؤمن بأن الكرامة تستحق التضحية !!
لقد قدّمت الجزائر تضحياتٍ هائلة في سبيل استقلالها، وترسّخ في ذاكرتها الوطنية تقديرٌ عميق لشهدائها الذين ارتبطت حكايتهم بثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي وتستحضر الذاكرة الجزائرية تقدير المليون ونصف المليون شهيد بوصفه أحد أبرز رموز التضحية في تاريخها الوطني وهنا يستحضرني قول أمير الشعراء أحمد شوقي.
وللحريةِ الحمراءِ بابٌ بكلِّ يدٍ مُضرَّجةٍ يُدَقُّ !! وكأن هذا البيت قد كُتب ليصف حكاية الجزائر تلك الحرية الحمراء التي فُتحت أبوابها بدماء الشهداء وبعزيمة رجالٍ آمنوا أن الاستقلال ليس حلماً بعيداً بل حقٌّ لا بد أن يعود إلى أصحابه مهما طال الطريق وما يلفت النظر في الجزائر ليس عظمة مقام الشهيد وحدها بل ذلك الوفاء الممتد إلى تفاصيل الحياة.
فالشهداء ليسوا أسماءً في كتب التاريخ ولا صوراً معلّقة على الجدران بل هم جزءٌ من هوية الوطن وحاضرٌ في ذاكرة المجتمع ورمزٌ تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.
إن الوفاء للشهداء دليلٌ على أن الأمة تحترم تاريخها وتعرف قيمة تضحيات أبنائها وتدرك أن الحاضر الذي تنعم به لم يأتِ من فراغ بل صنعته دماءٌ طاهرة وتضحياتٌ عظيمة.
سلامٌ على الجزائر أرض المليون ونصف المليون شهيد وسلامٌ على كل يدٍ دقّت باب الحرية وعلى كل روحٍ ارتقت من أجل أن تبقى راية الوطن مرفوعة.
رحم الله شهداء الجزائر وجعل ذكراهم نوراً تهتدي به الأجيال وحفظ لهذا البلد العربي الأصيل عزته وكرامته لقد أثبت شهداء الجزائر أن البطولة لا تعرف حدوداً وأن الحرية حين تنادي أبناءها فإن الأبطال يجيبون النداء وأن البطولة عربية وأن ذاكرة الأوطان العظيمة لا تنحني للنسيان.



