بهذا العنوان المليء بكل ما تحمله الكلمة من معان وحب المكان استعادت الرائدة – شادية غزالى جنبي مدير مكتب رواد كشافة الجموم ذكريات الطفولة التى حفرت فى الذاكرة فماذا تقول بنت مكة التى اعادت للأذهان اجمل سنوات العمر بيت جدي عثمان شبانة في حي أجياد بمكة المكرمة.
يا الله ما أصعب أن تعود بنا صورة واحدة إلى عمرٍ كامل من الذكريات، وأن توقظ في قلوبنا مشاعر ظننا أن السنين قد أخفتها، فإذا بها تعود حيةً تنبض بالحنين والحب والدموع.
هذا البيت ليس مجرد جدران ونوافذ وأبواب قديمة هذا بيت جدي عثمان شبانة، البيت الذي احتضن طفولتي، وشهد خطواتي الأولى، وضحكاتي البريئة، وأحلامي الصغيرة.
هنا تربيت وترعرعت، وبين جدرانه عشت أجمل سنوات عمري، حتى وصلت إلى الصف الأول المتوسط كم كانت أيامًا جميلة لا تُنسى!
كنت أعيش في جوار بيت الله الحرام، وكانت المسافة بين بيتنا والحرم المكي الشريف لا تستغرق سوى دقيقة واحدة.
دقيقة واحدة فقط وأكون في رحاب الكعبة المشرفة! يا لها من نعمة عظيمة لم أكن أدرك وأنا طفلة حجمها كما أدركها اليوم!
كنت أؤدي صلواتي الخمس في المسجد الحرام، وأسمع نداء الأذان، فأشعر أن مكة كلها تناديني إلى الصلاة، وأن قلبي الصغير يعرف طريقه إلى بيت الله قبل أن تعرفه قدماي.
كنت أرى الحرم جزءًا من حياتي اليومية، وأعيش في ظلال قدسيته وطمأنينته، وبين دعوات المصلين ودموع الخاشعين، دون أن أعلم أن هذه اللحظات ستصبح يومًا أغلى كنوز ذاكرتي.
واليوم، وقد بلغت الرابعة والسبعين من عمري، أقف أمام هذه الصورة، فلا أرى مبنى قديمًا، بل أرى طفلةً صغيرة كانت تسكن هنا، تركض في أرجاء البيت، وتخرج منه إلى الحرم، تحمل في قلبها براءة الطفولة وسكينة المكان.
أبحث بعيني بين النوافذ عن وجوه أحببتها، وعن أصوات كانت تملأ البيت حياةً، وعن أيام مضت ولن تعود رحل بعض الأحبة، وتغيرت ملامح المكان، ومضت سنوات العمر مسرعة… ولكن بقي بيت جدي في قلبي كما كان، دافئًا وعزيزًا، لا تطاله يد النسيان.
آه يا بيت جدي لو كانت الجدران تتكلم، لروت حكايات طفولتي ولو كانت النوافذ تحفظ الوجوه، لأعادت إليّ أحبةً اشتقت إليهم.
ولو كان للزمن بابٌ يُفتح، لعدت إليك طفلةً ولو ليوم واحد، أعيش فيه تلك البساطة، وأسمع الأصوات القديمة، وأمشي من بابك إلى الحرم كما كنت أفعل منذ عشرات السنين.
اللهم ارحم من رحلوا من أهل هذا البيت، وبارك في أعمار من بقي منهم، واجعل ذكرياتنا الجميلة نورًا يرافقنا ما حيينا.
بعض البيوت نسكنها سنوات ولكنها تسكن قلوبنا العمر كله وسيظل بيت جدي – عثمان شبانة في حي أجياد بمكة المكرمة وطنًا صغيرًا داخل قلبي، مهما كبرت، ومهما ابتعدت، ومهما تغيرت الدنيا.
سلامٌ على طفولتي، وسلامٌ على بيت جدي، وسلامٌ على تلك الأيام التي كانت فيها خطواتي إلى بيت الله الحرام لا تتجاوز دقيقة واحدة لكنها تركت في روحي أثرًا يمتد عمرًا كاملًا.



