لماذا نبحث عن آراء الآخرين لنعرف ما هو الطبيعي؟ ومن وضع هذا الميزان الذي أصبحنا نحاكم به أنفسنا وأطفالنا؟ من رسم حدوده، ومن قرّر أن كل ما يخرج عنها يستحق القلق والخوف ومحاولات التغيير؟
لماذا أصبحنا أسرى لمفهوم لا نعرف من وضع مقاييسه، ولا لمن وُضعت؟ ولماذا أصبحنا نرى الاختلاف مشكلة، والتميّز اضطرابًا، وكل ما يخرج عن المألوف أمرًا يحتاج إلى إصلاح؟
نقسو على أنفسنا، ونقسو على أطفالنا، محاولين الوصول إلى معيار لا نعرف من اختاره، ولا لماذا أصبح الوصول إليه غاية نسعى إليها بكل ما أوتينا من جهد وكأن الحياة لا تتّسع إلا لنسخة واحدة من البشر، وكأن الاختلاف خطأ ينبغي تصحيحه، لا حقيقة ينبغي فهمها واحتواؤها.
لماذا لا نتقبّل الاختلاف في أنفسنا، وفي أطفالنا، وفي تفاصيل حياتنا؟ من وضع هذا القالب الذي نحاول جميعًا أن نتشكّل على صورته؟ ولماذا يجب أن نكون نسخًا متشابهة، بينما خُلق كل إنسان بتركيبته الخاصة، وقدراته المختلفة، وطريقته الفريدة في فهم العالم والتفاعل معه؟
هل المشكلة تكمن فينا، أم في طريقة تفكيرنا؟ أم أن محدودية نظرتنا، وسلطة النمط السائد، جعلتنا نرى العالم من زاوية واحدة، حتى نسينا أن للحياة وجوهًا كثيرة، وأن ما نراه غير مألوف ليس بالضرورة أمرًا سيئًا.
وحين يُرزق أحدنا بطفل لديه اضطراب نمائي، أو اختلاف في طريقة انتباهه وتعلّمه وتفاعله مع العالم، لماذا يصبح هاجسنا الأكبر أن يكون طبيعيًا، مثل بقية أقرانه، على حد تعبيرنا؟ لماذا ننشغل بمحاولة جعله يشبه الآخرين، قبل أن نتعلّم كيف نفهمه، وكيف نكتشف قدراته، وكيف نمنحه ما يحتاج إليه لينمو ويتطوّر بطريقته؟
لماذا ننظر إلى ما يختلف فيه طفلنا باعتباره نقصًا فيه، بدلًا من أن نبحث عمّا يستطيع فعله، وعن الطرق التي تساعده على تجاوز الصعوبات التي يواجهها؟
وهنا تبدأ معركتنا نحن، قبل أن تبدأ معركته.
“معركة التقبّل.”
فليس من السهل على الأب أو الأم أن يتخلّيا عن الصورة التي رسماها في مخيلتهما لطفلهما، ولا أن يتجاوزا الخوف الذي يتسلّل إلى قلبيهما كلما فكّرا في مستقبله وليس من السهل أن يتقبّلا واقعًا لم يستعدّا له، أو أن يهدّئا تلك الأسئلة التي تتزاحم في داخلهما: كيف ستكون حياته؟ هل سيتمكّن من الاعتماد على نفسه؟ هل سيفهمه الآخرون؟ وهل سيمنحونه المساحة التي يستحقها دون أن يحاكموه بسبب اختلافه؟
ثم يأتي المجتمع، بنظراته وأسئلته ومقارناته، ليضاعف ذلك الثقل فنجد أنفسنا عالقين في دائرة لا تنتهي؛ نبحث عن رضا الآخرين، ونراقب نظراتهم، ونقيس تقدّم أطفالنا بمقاييسهم، حتى تصبح نظرة المجتمع في أعيننا حكمًا على مستقبل أبنائنا، وكأننا لا نستطيع الاطمئنان إلا حين يخبرنا الآخرون بأن أطفالنا أصبحوا قريبين مما يسمّونه طبيعيًا.
ولا يتوقّف الأمر عند نظرات المجتمع ومقارناته، بل يمتدّ إلى أولئك الذين يرون في قلق الأهل وخوفهم على مستقبل أطفالهم فرصةً للاستغلال، فيتحوّل وجع الوالدين إلى بابٍ للمكاسب المادية، وتصبح حاجتهم إلى مساعدة أبنائهم وسيلةً لتحقيق الأرباح، دون مراعاة لما يمرّون به من ألم، أو لما يحملونه في قلوبهم من خوف وأمل.
يجد الأهل أنفسهم في رحلة بحث لا تنتهي؛ يتعلّقون بكل وعد، ويصغون لكل من يزعم امتلاك الحل، ويبحثون عن أي طريق قد يجعل طفلهم أفضل حالًا. وبين الأمل الذي يتشبّثون به، والخوف الذي يلاحقهم، قد يجدون أنفسهم أمام وعود مبالغ فيها، أو خدمات تُقدَّم بأسعار باهظة، أو أشخاص يستثمرون في حاجتهم النفسية قبل حاجتهم الفعلية، وكأن ألمهم لا يكفي، حتى يصبح ثمن الأمل عبئًا آخر يُضاف إلى أعبائهم.
**أيُّ قسوةٍ هذه التي تجعل حاجة الأهل إلى الاطمئنان على مستقبل أطفالهم فرصةً للربح؟ وأيُّ غيابٍ للرحمة يجعل مشاعر أمٍّ أو أب، وخوفهما على طفلهما، أمرًا يمكن استغلاله دون اكتراث بما قد يخلّفه ذلك من خيبة وألم؟
وننسى، وسط كل ذلك، أن أطفالنا ليسوا مشاريع نعمل على تعديلها لتناسب توقّعات الآخرين، ولا اختبارات نحتاج إلى اجتيازها أمام المجتمع.
إنهم أطفالنا، بكل ما يحملونه من صفات وقدرات وصعوبات واحتياجات، وهم يستحقون منا أن نراهم كما هم، لا كما نريد للعالم أن يراهم.
لكن ماذا يحدث لنا نحن، حين نكتشف أن طفلنا يختلف عن الصورة التي رسمناها له؟
نبدأ بتفتيش ذاكرتنا عن الأخطاء، ونحمّل أنفسنا أسئلة لا ترحم: أين أخطأنا؟ ماذا فعلنا؟ هل كان بإمكاننا أن نفعل شيئًا مختلفًا؟ ونتعامل مع الأمر أحيانًا كما لو أنه مصيبة حلّت بحياتنا، بدلًا من أن نمنح أنفسنا الوقت الكافي للفهم والتقبّل، والبحث عن أفضل السبل لمساندة طفلنا.
ولعلّ أقسى ما في الأمر أننا قد ننشغل بالحزن على اختلاف أطفالنا إلى درجة ننسى معها أن ننظر إلى أطفالنا أنفسهم؛ إلى ضحكاتهم، ومحاولاتهم الصغيرة، وقدراتهم التي تنتظر من يكتشفها، وإلى حاجتهم لأن يشعروا بأنهم مقبولون ومحبوبون، لا لأنهم حققوا معيارًا ما، بل لأنهم ببساطة هم.
وليس معنى ذلك أن نتجاهل صعوباتهم، أو أن نرفض العلاج والتأهيل والدعم حين يحتاجون إليها. فالتقبّل لا يعني الاستسلام، والحب لا يعني أن نترك الطفل يواجه تحدياته وحده. بل يعني أن نطلب له المساعدة دون أن نشعره بأنه معيب، وأن نعمل على تطوير مهاراته دون أن نحاول محو اختلافه، وأن نحتفي بتقدّمه دون أن نجعله أسيرًا للمقارنة بغيره.
فهل يمكننا أن نحبّ أطفالنا دون أن نربط هذا الحب بمدى اقترابهم من معايير الآخرين؟ وهل يمكننا أن نسعى إلى تطويرهم دون أن نشعرهم بأنهم بحاجة إلى أن يصبحوا أشخاصًا آخرين كي يكونوا كافيين؟
ربما نحن أيضًا بحاجة إلى رحلة من التعلّم، رحلة نتعلّم فيها كيف نغيّر نظرتنا، وكيف نفصل بين اختلاف الطفل وبين قيمته، وبين حاجته إلى الدعم وبين حقّه في أن يُحَبّ كما هو.
رحلة نتصالح فيها مع مخاوفنا، ونسمح لأنفسنا بأن نحزن على ما لم نتوقّعه، دون أن نجعل حزننا حكمًا على حياة أطفالنا، أو على مستقبلهم، أو على قدرتهم على أن يعيشوا حياة ذات معنى.
فليس كل ما يختلف يحتاج إلى أن يُمحى، وليس كل ما يخرج عن المألوف يستحق أن نخجل منه. بعض الاختلافات تحتاج إلى فهم، وبعضها يحتاج إلى احتواء، وبعضها يحتاج إلى تدخّل متخصص، وجميع الأطفال يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم بكرامة ورحمة، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والمقارنات القاسية.
ومع ذلك، لا تزال الأسئلة تسكنني: متى نتحرّر من تلك القوقعة التي وضعنا المجتمع داخلها؟ متى نتوقّف عن قياس أبنائنا بمسطرة واحدة؟ ومتى ندرك أن نجاح الطفل لا يُختصر في أن يشبه أقرانه، وأن قيمته لا تتحدّد بمدى توافقه مع صورة رسمها الآخرون للحياة الطبيعية؟
ومتى نتعلّم أن ننظر إلى أطفالنا بعين الحب والفهم، لا بعين الخوف والمقارنة؟ لعلّ البداية الحقيقية ليست في أن نغيّر أطفالنا ليشبهوا العالم، بل في أن نغيّر نظرتنا حتى نتعلّم كيف نمنحهم مكانهم في هذا العالم.
فأطفالنا لا يحتاجون إلى عالم يُقنعهم طوال الوقت بأنهم مختلفون عن الصورة السائدة؛ إنهم يحتاجون إلى عالم يتّسع لهم، وإلى أهل يتعلّمون كيف يكونون لهم الأمان والسند، والمساحة التي ينمون فيها دون أن يفقدوا إحساسهم بأنفسهم.
وربما، قبل أن نسأل: متى سيصبح طفلنا مثل الآخرين؟ يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: متى سنتعلّم أن نرى طفلنا كما هو، وأن نؤمن بأن اختلافه لا ينتقص من قيمته، وأن نمنحه حقّه في أن يكون نفسه؟
للتواصل مع الكاتبة : [email protected]


