كان الحديث في الورقات السابقة عن أهمية التربية ثم أهمية البيت من حيث هو المحضن الأول وكيف عني به الشارع الحكيم ، وعن أهمية التربية وأهم السلوكيات التي يجب أن يتحلى بها البيت المسلم ليكون محضن تربية سليمة وصالحة . فبعد أن يخرج الفرد من البيت فإنه سيواجه المجتمع الذي يعيش فيه ويكون عنصرا هاما به ، فكيف هي عناية الإسلام بهذا المجتمع.
أولا : يحرص الإسلام أن يكون المجتمع سليما صافيا نقيا متحابا بعيدا عن كل ما يؤذي الفرد ، لذلك جاءت كثير من الآيات تنهى عن إيذاء الأفراد أو الجماعات بعضهم البعض . قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ ) الحجرات/11 . وهذا تشريع رباني محكم يحافظ على المجتمع سليما صافيا خاليا من التنابز والسخرية من بعض ، بالنسبة للرجال أو النساء على السواء.
ثانيا : يحرص الإسلام على بقاء أفراده سليمي الصدور بعيدين عن سوء الظن والغيبة والنميمة فجاء قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ) الحجرات /12 . تعليمات ربانية لبقاء المجتمع نظيفا صافيا ، واجتناب الظن أحد أهم أركان طهارة المجتمع وصفاءه ، فلا إساءة ظن بالآخرين ولا تجسس على بعض ولا غيبة ولا نميمة ، ليظل المجتمع نقيا صافيا متحابا مترابطا.
وقد جاء في الهدي النبوي ما يحث على ذلك ، فقال ( لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) رواه البخاري ومسلم فإذا أحب كل إنسان لأخيه ما يحب لنفسه فقد شاع الحب والتراحم بين أفراد المجتمع ، وكذلك جاء تحذيره صلى الله عليه وسلم من إيذاء الجيران حيث نفى دخول الجنة لمن لا يسلم جاره من أذاه فقال [ : ( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ. ) رواه مسلم . وإمعانا في صحة المجتمع وحرصا على صفاءه حذر صلى الله عليه وسلم من الغش فقال : ( مَن غَشَّنا فليسَ مِنّا) رواه مسلم هذه التعليمات والتوجيهات النبوية التي تصاحب تعليمات القرآن الكريم ؛ تصنع مجتمعا قويا صحيحا ليبقى محضنا سليما لأفراده وأن يكون هؤلاء الأفراد قدوة صالحة لغيرهم.
ولذا سنتناول في الصفحات القادمة ـ بإذن الله ـ كيف يتعامل الفرد مع قرابته وخاصة أولو الأرحام والجيران وبقية أفراد المجتمع المحيط به . فكلما كان المجتمع ملتزما بالمنهج الرباني السليم كان كل فرد فيه قدوة صالحة لغيره.

