الإثراء الذي غطى على ما سواه الأيام الفائتة حول الغبانة الهندية هو جزء من حراك إيجابي واسع، يحسب لهيئة الترفيه لا عليها بغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معها، فقد حركت الركود الثقافي بالبلبد على كافة الأصعدة والمستويات، وبشكل ثري يشجع على أن تحذو بقية القطاعات السياحية والثقافية حذوها في نقل حراكها من الصالات المغلقة إلى الميدان، وإستنطاق الشباب والتفاعل معهم، فالشعب السعودي شعب ديناميكي لا يليق به إلا أن يكون متحركاً متفاعلاً، ولا يليق بنا أيضاً إلا أن نطرح أوراقنا بين يديه، فيسمعنا ونسمعه، ونعركه ويعركنا عبر هكذا حراك، لا أن ننتظر حتى حلول موعد مباراة ديربي الهلال والنصر كي نسمع زئيره.
-أما الغبانة، فشئنا أم أبينا هي هندية الأصل والمنشأ، وصلتنا أو تسللت إلينا عبر أزمنة مختلفة على متن مئات المراكب، بما في ذلك (مركب الهند أبودقلين) الذي سَوّقَهُ في ثقافة الجزيرة العربية الشاعر المبدع يحيى عمر، فكل الدلائل تشي بأن أبا يعقوب قد تستر على تمرير أطنان من الهدوم والبزوز والأخضبه والأطياب الهندية إلى بلاد بني يعرب على متن (مركب الهند أبو دقلين) الذي هام بحبه، القليل من تلك الحمولة يبرر لنا الدعوة إلى المطالبة (ببعث) يحيى عمر ومحاكمته غيابياً، لولا أنه ترك في ثقافة وتراث الجزيرة العربية أشياء كثيرة مما يمكث في الأرض وينفع الناس، هذه بعضها.
يا مركب الهند ابـو دقليـن
يـا ليتنـي كنـت ربـانـك
اسعى بك البر والبحرين
واحمل الماى بأخزانك
لك قسم في قسم في قسميـن
لك قسم زايد علـى اخوانـك
والمصلحـة بيننـا نصفيـن
لا ربَّـح الله مـن خـانـك
يا ليت لي عند اهلـك ديـن
أروح واجـي علـى شانـك.
-ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق إن الحديث عن حماية الزي الرسمي السعودي من هجمة الزي المهجن أو الوافد ليس جديداً، وإنما الجديد هو الجرأة أو المصارحة في النقد، فسابقاً كنا نعالج ونحد من تلك الهجمة عبر سن معايير تشترط الموروث الأصيل في الفعاليات والمهرجانات بلا تسبيب وبدون القيام بمكاشفة من يعتمر غبانة على الرأس، أو من يزم عرضه بفوطة مثلاً بأنهما من الدخيل.
-هذا التلميح في المعالجة والمداراة وعدم المصارحة لم تنجح كثيراً في حماية موروثنا الأصيل من سطوة الدخيل في اللباس والفلكلور، فمثلا بقيت الغبانة الهندية عنصراً خاملاً في الحارات وعلى المراكيز والمقاهي، سرعان ما تتحول إلى عنصر نشط يبحث عن الشرعنة مع كل مهرجان تتسلل إليه، وصولاً لأيامنا هذه التي برزت فيها الغباتة الهندية تدعي الشرعنة لوجودها، مما اضطر المسؤول والغيورين إلى مكاشفتها ومصارحتها بأصولها المنحدرة منها بهدف تحجيمها لا أكثر، وهو حق مشروع لكل دولة في العالم، فمثلاً لولم تضرب فرنسا بيد من حديد لتأفرق الشانزليه، ولولم تنصب أمريكا المتاريس التشريعية أمام الكتل المهاجرة لتمكسكت واشنطن على أيدي المكسيكان مثلاً، أو تمدد داخلها التنين الصيني بأقصى شرقيته.
-وعليه فالتصدي للغبانة الهندية وإبقاؤها في فلك التنوع الثقافي الذي يحترم ولا يؤصل أو يشرعن له هو في حكم الواجب الذي يجب عليها ممارسته، فإن لم نفعل، فغداً قد تطل علينا الفوطة برأسها من جديد، تطالب بالشرعنة والتأصيل أسوة بتوأمها الغبانة الهندية والملازم لها في كثير من المناسبات، فلا يكاد يكتمل أحدهما إلا بالآخر، ولمن لا يعرف الفوطة، فهي إزار ملون ناعم هندية الأصل هي الأُخرى، تسللت إلى المدن الساحلية ثم الداخل، وكان أشهر تمدد لها في التسعينيات الهجرية إلىى أواسط الـ١٤٠٠، فوصلت إلى المدن والقرى الداخلية المنيعة، حتى أصبح هناك مجاهرة بلبسها في المقاهي والأماكن العامة والأسواق، ولم يخفت وهجها وينحسر مدها إلا قريباً بفضل الحصار المطبق الذي فرضه عليها المجتمع حتى عادت إلى الشوارع والحارات الخلفية والبيوت كلباس خفيف داخلي. وإلى الشواطىء كلباس مهني يناسب البحر، لأهله كل الإحترام والتقدير.
-وعوداً على بدء، فهذا الحراك الثقافي السعودي الجميل كان سيكون أجمل وأثرى وأمتع لو بقي تحت سقف الإيمان بأحقية الدولة في حماية الأصيل، وتحت قبة إحترام التنوع فالأول حق سيادي لا يُمس، والثاني ،أي التنوع، هو أحد أهم مصادر إثراء المملكة وثرائها، وهو إحد أشهر قواها الناعمة ولكن ميديا العالم المفتوح جعلت هذا الحراك الجميل يتعرض لعدة تشوهات: إما بسبب نيران عدوة نعرفها من لحن (التغريد) وإما بسبب نيران صديقة، تحمّست أكثر من اللازم فجابت العيد، ومن تلك التشوهات:-
١-علو نبرة الإقصاء بين الملتهبين من الطرفين.
٢-إستقواء البعض بالنصوص والمأثورات، وتكييفها لشرعنة الغبانة الهندية، مع ان العمامة في تلك المأثورات مختلفة تماماً عن الغبانة الهندية.
٣-التضخيم والرفع من شأن الغبانة الهندية بينما هي جزء صغير جداً من تنوعنا الكبير، فهي لا تتعدى كذا حارة.
٤-الزج بالهوية في الحراك، وهذا أخطر مافي الأمر، فالهوية مسألة كبيرة جداً لا يجب الدفع بها في مزادات الإنتصار للرأي، فألأصل والأصح أن يبقى الحراك والإثراء تحت سقف الهوية الوطنية السعودية الجامعة، وكي تتحقق هذه الأمنية والضرورة الحتمية، فمن الواجب أن تختفي سريعاً من طروحاتنا نعرة هوية الحجاز، هوية نجد لخ، فقد استبدلها أجدادنا بماهو خير منها وأجدر أن نتبعه، فعبر سعة أفق منطقة وسطى وغربية وشرقية وجنوبية وشمالية، محونا العصبية ونمينا التنوع، وتشربنا هوية وطنية جامعة هي هوية السعودية فقط.
فإن لم نستطع وقف مد تلك النعرة وسط هذا العالم المفتوح، فليكن شعارنا في مواجهتها “دعوها فأنها نتنة” وهذا يحتم علينا ألا نتفاعل مع أعداء بلادنا من مثيري تلك الدسيسة النتنة، وألا نكون وسيلة لتمرير الفتنة واذكاء نار التشظي في وسطنا الآمن المتلاحم.
للتواصل مع الكاتب 0503744842

