بعد طول غياب وشوق، نستقبل ضيفاً غائباً، يزورنا غبَّاً، تَخفق بحبه القلوب، ونزداد فرحاً بقدومه، شهر رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر العتق والغفران، شهر التقى والجود والكرم، حل علينا بخيراته وبركاته، وروحانيته العظيمة، وامتلأ الكون تَكْبِيراً وسبحانا، وشوقا وَإيْمَانَا، نعم الزائر، وطوبى لمن أحسن استقبال الشهر، واجتهد في الصيام والقيام وصالح الأعمال، والفلاح لمن شمّر عن أكمامه، واستغل أيامه وكل ساعة في التقرب إلى الله، ولزوم الطاعة والعبادة، والتوبة والانابة، ولإكثار من الاعمال الصالحة، لتكفر ذنوبه، وتُفتح له بواب الجنان، ويفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، فكان ممن صام إيمانا واحتسابا.
ولرمضان في المدينة المنورة متعة روحية لا تضاهى، وأجواء جميلة، ومظاهر تتوهج بالفرح والسعادة، وعادات وتقاليد تبعث البهجة في النفوس، وتسترجع فيها ذكريات الماضي، من خلال تعزيز الترابط الاجتماعي، والتي تشكل جزءاً أصيلاً يعبر عن صفاء النفس، ونقاء القلب، وحب الخير للغير، وإسعاد الأخرين، وهو ما جبل عليه أهل المدينة الاكارم، قلوب كريمة وفية بالعهد، يفرحون بالزائر والمقيم، ولا غرو في ذلك، وهم أهل المؤاخاة والعطاء، وخير دليلٍ على ذلك، ما قام به أسلافهم مع المهاجرين، يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وهذا من عظيم إيمانهم، وكان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يُبالغ في حب أهل المدينة، وأمر المؤمنين بحبهم، وفي صورة جميلة ومعبرة تجسد التلاحم والتعاطف، ومظهر من مظاهر الالفة والتآخي، وتعكس ثقافة وكرم أهالي المدينة وعاداتهم الحسنة في المسارعة إلى الخيرات، والتنافس في أعمال البر والإحسان، والتي مازالت تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، تنتشر السفر الرمضانية، داخل المسجد النبوي وساحاته واروقته، للصائمين من الزوار والمقيمين، لتشريفهم بالإفطار معهم، وسط أجواء روحانية مفعمة بالأمن والإيمان، راجين بذلك الأجر والثواب من عند الله.
وفي زيادة لروابط المودة والمحبة والتكافل الاجتماعي، انتشرت عادة رمضانية، تميزت فيها احياء المدينة، تعزز التكاتف والترابط الاجتماعي والألفة بين الأهالي، وهي الإفطار الجماعي، وتهدف إلى تعميق التواصل بين أفراد المجتمع، والتسامح فيما بينهم، في صورة اجتماعية مشرقة، تميز شهر رمضان وطابعه الخاص، وقيمه الروحية عالية السمو، وهي فرصة سانحة، ليجتمع فيها الأهل والأصدقاء والجيران، على سفرة واحدة، في مظهر اجتماعي إسلامي، يؤصل مكارم الأخلاق وجوامعها، بصورة عملية في المجتمع، تجعلهم أقرب إلى بعضهم، أكثر من أي وقت مضى ، وتعيد الود والمحبة في قلوب الناس، وهو مطلب في السير على هذا النهج، من أجل تعزيز وتقوية الروابط الأسرية، وزيادة صلة الرحم، والتقارب بين الجيران، من هنا على مؤسسات المجتمع، والجهات ذات العلاقة، تشجيع وتحفيز ودعم مثل هذه المبادرات الخيرة، حافز لاستمرارها وديمومتها، وهنا نشيد بالجهود المبذولة من قبل جمعية مراكز الأحياء بالمدينة المنورة “مجتمعي” التي تنظّم هذا العام أكثر من اثنين وأربعين مائدة إفطار، خلال شهر رمضان المبارك، في مختلف أحياء المدينة المنورة، يتشارك خلالها المواطنون والمقيمون، في إعداد السفرة الرمضانية، وفي إطار مشروعاتها وبرامجها ومبادراتها النوعيّـة، لخدمة المجتمع والمساهمة في تعزيز مشاركة الأفراد في تنمية المجتمع وتمكينهم، ليكون لهم دورا ايجابيا، ونتطلع في المستقبل الى أن يصاحب مبادرة الإفطار الجماعي – في أحياء المدينة – أنشطة وفعاليات ثقافية واجتماعية ورياضية وغيرها، بما يتوائم والطابع الاجتماعي، الذي يسود الشهر الكريم، وأجوائه الايمانية الروحانية.
للتواصل مع الكاتب:al.mozine1436@gmail.com


