لا يوجد حيوان في جزيرة العرب من أدناها إلى أقصاها استأثر عقول وقلوب العرب مثل الإبل، جملها وناقتها، حوارها وقعودها، ولقيّتها ولبونها، وخلوجها وضعنها ومظهورها وذودها مجاهيمها ومغاتيرها.
وفي جلسة مجلس الوزراء السعودي الأخيرة برئاسة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ال سعود حفظه الله تعالى سمّى العام المقبل عام 2024، بعام «الإبل»، في إطار الاحتفاء بمكانتها وقيمتها الثقافية. الإبل هي عِماد الحياة والحضارة السابقة لدى إنسان الجزيرة العربية، كانت الركائب من الإبل وسيلة لتفريج الهمّ عن العربي القديم، ألم يقل طرفة بن العبد واصفاً ناقته حين أصابه الهمّ:
وَإِنّي لَأَمضي الهَمَّ عِندَ احتِضارِهِ… بِعَوجاءَ مِر قالٍ تَروحُ وَتَغتَدي عندما نتجول في صحاري الجزيرة العربية ونشاهد النقوش القديمة أكثر ما نشاهده نقوش الإبل، بكل حالاتها، وهذا أكبر دليل على تواجدها وتفاعل الإنسان العربي معها وأن لها دور كبير في الحياة في جزيرة العرب لها دور مع البادية يأكلون لحمها ويشربون حليبها ويستفيدون من وبرها ويرحلون عليها من مكان إلى مكان فهي سفينة الصحراء ومن أدوارها استخدمها في فئ الأسفار والحروب والإهم في نشر الرسالة المحمدية و أهم حدث في التاريخ الإسلامي، وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ تلك الرحلة الملهمة التي شكّلت بداية التاريخ الإسلامي، وانطلاقة حضارة غيّرت تاريخ العالم كله حملته ناقته القصواء من مكة الى المدينة . وفي توحيد هذه البلاد على يد المؤسس الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال فيصل.
وقد لا يدرك الكثير حب أبناء البادية في الجزيرة العربية لإبلهم حتى أنهم لا يستطيعون العيش من دونها، وهو حب متجذر توارثه الأبناء عن الآباء والأجداد. عندما نسمع عن قصص الوفاء في بني البشر تلامس إحساسنا وقلوبنا وإن كانت قليلة في هذا الزمن، قبل فترة شاهدنا بأعيننا مقطع ناقة تحتضن صاحبها عاطفة رقبتها عليه في منظر عجيب وغريب مغمضةً عيناها، وكأنها تقول هذه دموع الفرح ستسقط لحظة لقياك بعد أن شاهدته بعد فترة من الغياب تجاوزت سبعة أشهر، عندما انتقلت ملكيتها لشخص آخر…وسفينة الصحراء لقب أطلق قديما على الإبل وقد كانت تستخدم في السفر وكانت القوافل التي تجوب معظم مناطق العالم تتكون من الإبل وباختصار وسائل النقل القديمة تتكون من الإبل ولعظمة الإبل ورد ذكرها في القران الكريم قال تعالى: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت” دعوة للتأمل في خلق الإبل، والتي وردت في كتاب الله القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حيث يدعو إلى أن يكون النظر والتأمل في هذه المخلوقات مدخلاً إلى الإيمان الخالص بقدرة الخالق سبحانه وتعالى وبديع صنعه، وفي الآية الكريمة “أَفَلَا يَنظُرُونَ إلى الْإِبِلِ” أفلا: صيغة استفهام إنكاري، وهي أفضل صور الحث على النظر، وعلى إعمال البصر والعقل والقلب للوصول إلى ما عليه الإبل من خلق بديع، وفيها دعوة للنظر إلى الإبل بما هي عليه من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها، فقد خلقت جميلة جداً وقال تعالى ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) [النحل] ومهما كتبنا عن الإبل لن نوفيها حقها وما قرار مجلس الوزراء تسمية 2024 بـ«عام الإبل»، إلا تجسيدًا لاهتمام القيادة بربط التكوين الثقافي المعاصر للإنسان السعودي بالميراث الإنساني الكبير الذي يشكّل جزءاً من تاريخ المملكة وامتداداً للرعاية الملكية للتراث والثقافة، والحرص على إنسان الوطن وتاريخه وثقافته.
للتواصل مع الكاتب 0504361380


