شهر القُرآن .. شهر الإيمان .. شهر الغُفران .. شهر العتق من النيران كُلَّمَا حلّ علينا هذا الشهر الكريم وألقى بظلاله علينا ابتهجت بمقدمه نفوسنا ، وفرحت بحلوله قلوبنا ، ولامست أجسادنا نسماته العليلة ، وقفزت في أذهاننا ذكرياته الجميلة.
أيام مرّت عبر السنين ، لها في الذاكرة حنين ، عشناها وعاصرناها وَشَعرنا بها على ثرى مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
طيبة الطيّبة.
تَطَيَّبت بهجرته صلى الله عليه وسلم وسُكنَاه ومرقده ، تعطّر كلّ شبر في أرضها وكلّ حِفْنة من ترابها وكلّ ذرّة من هوائها بخطواته المُباركة وَوَقْع أقدامه الشريفة وَزفِير أنفاسه الطاهرة النفيسة عليه صلوات الله وسلامه.
ازدادت المدينة عِزّا وشرفا عندما فُرض الصيام فيها في السنة الثانية من الهجرة الشريفة ، وصام وقام صلى الله عليه وسلم رمضاناته التسع التي أدركها قبل وفاته في رحابها فنالت الشرف الذي لم تناله مدينة في الوجُود مثلها.
أكرمنا الله بسُكنى المدينة نشْتمُّ عَبَقَها ونتلحَّف بِرِدَاء نُورها وشرفها ونُنْسِج من ذكرياتنا لها خيوطا مُضيئة تُشعل فتيل وجداننا وتبعث بعض الأمل ، بل كُلّ الأمل فينا.
عند إطلالة رمضان أول ما يتبادر في ذهن وذاكرة ساكني مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيّما من حقبة الستينات إلى بداية الأربعمائة الهجرية يتبادر في ذهنهم ذلك الشيخ الجليل صاحب الصوت الجهُور الذي تعوّد أهل المدينة على سماعه في تلك الفترة الزمنية وخاصة في شهر رمضان فضيلة :
الشيخ عبدالعزيز بن صالح رحمه الله.
إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف ورئيس محاكم منطقة المدينة المنورة ، وقد أكرمه الله بالإمامة في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة الخمسين عاما كان فضيلته يؤم الناس في صلوات العشاء والتراويح والتهجّد ويصدح بتلاوته الجميلة وصوته الشجي ، وكان يُشاركه الإمامة طائفة مباركة من أصحاب الفضيلة الشيوخ الأجلاء أذكر منهم : الشيخ عبدالمجيد حسن الجبرتي ، الشيخ محمد ثاني ، الشيخ عبدالله الزاحم ، الشيخ إبراهيم الأخضر ، الشيخ علي الحذيفي ، الشيخ محمد أيّوب.
لأهل المدينة في هذا الشهر الكريم إطلالات وجماليّات وترتيبات خاصة ، يبدأ استعدادهم لاستقبال الشهر الكريم من بداية شهر شعبان يُقبل الأهالي على شراء حاجاتهم ولوازمهم من الأواني النُحاسية والفُخارية والمواد الغذائية.
ترى الزحام يدبّ في أسواقها العتيقة : برحة باب السلام والروميّة والعنابيّة وشارع العينية وسوق القمّاشة وباب المصري وسوق العيّاشة وسوق القفاصة وسوق التمّارة وسوق الطبّاخة وسوق الحبّابة وسوق الفاكهة وسوق الخان والساحة والسحيمي وباب المجيدي والمناخة تسمع أصوات الباعة ترتفع وتشدو بتلك العبارات الجميلة قبل مدفع الإفطار.
عبّي فطورك ياصائم ، عبّي سحورك ياصائم.
كما تزدحم المخابز لشراء الخُبز والشِّريك من الأفران والمخابز المشهورة والمعروفة في تلك الفترة مثل وغيرهم تتبادل وتَتَهادى العائلات والجيران الأطعمة الرمضانية التي تشتهر بها مطابخ بيوت المدينة من الشُرَب والمُعجّنات قبل الإفطار في أجواء أُسريّة وأخويّة رائعة.
أمّا الحارات والأحواش كانت تزهو وتنتعش من أول رمضان تُنصب المراجيح للأطفال ، وينتشر الباعة البُسطاء بعرباتهم المُمتلئة بالتِرمِس والفُول والحُلبَة والبليلة والبسبوسة يجوبون بها الأزقّة والحارات.
وأختم حديثي بذكر تلك العادة الجميلة والنبيلة التي كانت سائدة عند الكثير من الناس الميسورين والقادرين من أهل المدينة الذين كانوا يحرصون على تلمّس إحتياجات أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم وأيضا الفقراء والمحتاجين من الأُسَر والعائلات الذين لا يسألون الناس إلحافًا ، ويسعون في إيصال الزكاة والصدقات وكسوة العيد لهم في سريّة تامة تجنُّبا من إحراجهم وحفاظا على شعورهم وكرامتهم.
هذه لمحات وإطلالات ومشاهد سريعة عن رمضان زمان في مدينة سيّد الأنام صلوات الله وسلامه عليه ، وبعض المظاهر والعادات والتقاليد الجميلة السائدة في تلك الحقبة الزمنية.
وكل عام وأنتم وكل مُدن بلادنا وقيادتنا وأبناء شعبنا وجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بخير وأمن وأمان وعافية وسلام.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢

