مع بدايه كل عام هجري جديد يتذكر شعراء وعشاق شعر القلطة او (المحاوره) المنازلة الشهيره والتي دارت رحاها بين عملاق شعر المحاوره بالجزيرة العربية الشاعر الكبير عبد الله المسعودي ورفيق دربه الشاعر مطلق الثبيتي ، والتي يقول فيها:
نهاية يوم ذي الحجه بدايه ليل من عاشور
هلا يا مرحبا والمملكة بحلى لياليها
انا ما همني في الوقت لا “مطلق ولا مستور”
مركبها على قمه جبل وتهز رجليها
من اول يا ذهبنا كنت في صندوقنا مصرور
وذا الحين تشالتك الحرامية بياديها
ولا يا صاحب ما تشرب الا السكر المعصور
ديارا ما بها الا الشوك لو يسيل واديها
هذا الشاعر العملاق الذي غزى ولا زال يغزو بشاعريته المنفردة قلوب محبين شعراء القلطة سواء كانوا شعراء او نقاد او عشاق او متابعين ومهتمين بهذا اللون الشعري الجميل من الموروث الشعبي.
وبالواقع فان تجربه اي شاعر تنطلق بدايه من وجدان هذا الشاعر وموروثه الذي ينعكس على مشاعره ومواقفه في الحياه والمجتمع بشكل عام وتربيته واسلوب حياته ، وارتباطه ببيئته التي نشأ وترعرع فيها ، مرورا بمنعطفات المعاناة والتشكل العاطفي والوجداني ، وانتهاء بالتجربة والاحتكاك والممارسة الفعلية وتوسيع المدارك وزياده المخزون الثقافي وبلورة التجربة لدى الشاعر.
والمتابع لتجربه المسعودي سيجد خلال الفتره القليلة التي قضاها في ساحات المحاوره ان شاعريته اعتمدت على وسيله اثبات الذات والانفراد بأسلوب خاص في الرد على الخصوم بعيد عن التجريح والعنصريه وتأجيج المشاعر بل انه يتعمد في نقل المتلقي الى جزالة المعنى وعمق القصيد ممزوجا بالبساطة والسهولة في الوصول لجميع الشرائح دون استثناء مستندا على الرمزية والتلميح وترك المعنى لتأويل المتذوق والمستمع والقارئ للنص، ما يمنح قصائده أبعادًا فكرية وتأويلات متعددة.
ورغم التزام المسعودي بالسائد من بحور الشعر والاوزان النبطية الا انه انفرد بأسلوب اخر ابهر الخصوم قبل المناصرين وادهش المحللين قبل المنافسين له ، فعندما يؤصل المسعودي للأخلاق وفضيلة الصدق نجده يقول :
يا لساني احذر من فمي لا تعدى قدام لا اعضك على الضرس والناب
احذر تودي هرجه ما تودى
واليا بدت قالوا لك الناس كذاب
اللـي تعشـى بالـكـذب ما تـغـدى
والي تعالج به مـن السقـم ما طـاب
واحذر ثـم احـذر بالـردي لا تقدى
حاجتك ما تقضي وسرك مـع البـاب
من يـوم ما يفهـم حقيقتـك صـدى
واصبح يسولف بك مع الناس الاجناب
عـز الله انـي تبـت وابـا اتعـدى
توبة نصوحٍ عن دروب الخطأ تـاب
وأحِد عن اصحاب الردى وأتحـدى
خله يقولون العرب مالـه اصحـاب
وعندما يُشرك المسعودي الطبيعة ويستفز الخيال نجده يقول:
انا ما درقت الشمس في راس ظلي..
ولا غش الحلاوة بليمون
احد جاهل يرعى الحلال المفلي.. واحدٍ شايبٍ عاجز تعكز على هون.
وعندما يمارس المسعودي دور الحكيم الملهم فان بيت واحد قد يغني عن الف كلمه
فتجده يقول :
السوالف يا عميل الخير ما يحصى عددها
والدفاتر ما تضيع شي وافهم يا صحيبي
المطيّة ما تقدّم رجلها قدام يدها..
لوّ راعيها يخليها عشا حصني وذيبي
ما عليه اللي ليا منه بغى حاجه وجدها..
احسن من الشجرة اللي لا صبوح ولا حليبي
وعندما يرحب المسعودي بخصومه تجده يكون منصفا بترحيبه وبطريقه غير تقليديه ليقول:
مرحبا من هجوس همها ما قتلها ..
يوم بعض القلوب تموت من غير هم
واذا وصل لذروة الصخب الشعري نجده يقول :
ملامتنا على اللي فضّل الناقه على الرجال..
ولا يا وجد روحي كيف راح كليب في ناقه ..!
كل ذلك وغيره من الدرر الشعرية تصنعه لحظة ابداع سريعة في ساحة شعرية ساخنه بالمنافسة والنزال الشعري رحم الله عملاق شعر المحاوره واسطورته واحد ايقوناته المميزة عبد الله المسعودي والذي لا زال شعره مدرسه لكل شعراء المحاوره الشعرية بالخليج والجزيرة العربية ، فان كان المتنبي قد قال في قصيدته المشهورة مفاخرا:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم.
فان المسعودي قد قال:
يعرفني الليل والخيل والسيف الرهيف..
والإذاعة والصحافة وروس اقلامها.
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


جميل جدًا كيف ربطت بين بدايات كل عام هجري جديد وبين ذكرى واحدة من أعظم المنازلات الشعرية في ساحة القلطة، فجعلت من الذكرى مدخلًا أدبيًا يستدعي القارئ لا فقط لتأمل تلك اللحظة، بل للغوص في عمق تجربة المسعودي بكل ما فيها من اتزان أخلاقي، وتمكن لغوي، وبراعة في إيصال الفكرة دون إسفاف أو تجريح.
كل الشكر للمهندس ابو عبدالله على هذا الطرح الراقي، والوفاء النبيل لهذا العلم من أعلام الشعر النبطي، ورحم الله من ترك لنا هذا الأثر الخالد.