مجالسٌ تبدأ بالحديث عن فكرة، وتنتهي بضجيج يبتلع المعنى! أصوات متشابكة، ومواقف متصلبة، ونتيجة واحدة: حوار يضيع أثره، ويبقى الصداع شاهدًا عليه. حينها يتبادر سؤالٌ ملحّ: أين ذهب فن الإصغاء؟ وأين اختفت ثقافة الحوار التي ترتقي بالعقول بدل أن تستهلكها؟
تعددت أساليب الحوار وكثرت فنونه، لكن ما نفتقده ليس التنوع، بل الإنصات والتوازن. فالحوار ليس ميدانًا لاستعراض القوة أو فرض القناعات، بل جسرٌ يُبنى بين العقول والقلوب. أن تُصغي للآخر لا يعني أن تتنازل عن رأيك، بل أن تمنحه حقّه في أن يُسمع، كما تطلب لنفسك الحق ذاته.
وللأسف، تحولت بعض المجالس إلى ما يشبه منصات التواصل الاجتماعي: تنافسٌ على الظهور، سباقٌ على طرح الآراء، وإصرارٌ على أن تكون الكلمة الأخيرة من نصيبنا نحن. والنتيجة؟
لا بد أن نعلم أن قوة الحوار تكمن في المساحة التي نمنحها للآخر، وفي الاحترام المتبادل الذي يُضيء الفكرة بدل أن يطفئها الحوار الحقيقي لا يُقاس بعلوّ الصوت، بل بعمق الأثر. وحين يتحول إلى احتكار، يخسر جوهره الذي هو المشاركة والتلاقي.
فلنُعِد لمجالسنا أصولها ولنجعلها مساحاتٍ رحبة للتفكير، تُشرك الجميع في صناعة المعنى، بدل أن تحصرها في فئة أو صوت واحد. فالحوار الحقيقي ليس احتكارًا للكلمة، بل مشاركة للوعي والفكر، وهو المفتاح لبناء مجتمع يسمع، يفكّر، ويستوعب قبل أن يحكم.
للتواصل مع الكاتبة ٠٥٦٥٦٥٥١٥٩


