في كل حقلٍ معرفي كبير لا تولد الخرافة من الجهل وحده انما من تكرار الفكرة حتى تتحول إلى “حقيقة مريحة”. والإدارة القيادية ليست استثناء انما لعلها من أكثر الحقول تعرضا للخرافات لأن القيادة تمس الإنسان والإنسان بطبعه يميل إلى التبسيط والتقديس والاختزال.
وهنا يحسن أن نستحضر ما قاله فرانسيس بيكون الفيلسوف والعالِم الإنجليزي. حين تحدث عن “أصنام العقل” أو خرافات التفكير تلك الأوهام التي تشوّه إدراك الإنسان للواقع دون أن يشعر لم يكن بيكون يتحدث عن الأساطير الش.
انما عن أخطاء ذهنية عميقة يعيشها العقل وهو يظن أنه يفكر بعقلانية وما أشبه ما وصفه بيكون بما نراه اليوم في الخطاب القيادي المعاصر.
فإن أولى خرافات الإدارة القيادية هي الاعتقاد أن القائد يولد ولا يُصنع هذه الخرافة تنتمي إلى ما سماه بيكون أصنام القبيلة: أي الأوهام المشتركة التي يتبناها المجتمع دون تمحيص. يصور القائد ككائن استثنائي يمتلك كاريزما فطرية خارقة بينما تُهمل حقيقة أن القيادة مهارة تُبنى ورؤية تُنضج وتجربة تُصقل. هذه الخرافة تقتل آلاف القادة المحتملين قبل أن يولدوا فقط لأنهم لم يُمنحوا الفرصة للتعلّم.
أما الخرافة الثانية، فهي أن القيادة تعني السيطرة والقوة هنا يظهر صنم السوق عند بيكون حيث تفسد اللغةُ الفكرة فحين تختزل القيادة في الأوامر وتُفهم الهيبة على أنها خوف، تتحول المنظمة إلى كيان مطيع ظاهريًا هش داخليًا. القيادة في جوهرها تأثير واع في السلوك لتحقيق هدف مشترك، لا فرض إرادة ولا استعراض نفوذ.
الخرافة الثالثة تقول إن القائد الناجح لا يخطئ وهذا من أخطر الأوهام وينتمي إلى أصنام المسرح؛ أي الأفكار الجاهزة التي ورثناها من “نظريات” أو “نماذج” قُدّمت وكأنها حقائق مطلقة في الواقع القائد الذي لا يخطئ هو قائد لا يتعلم، والمنظمة التي لا تخطئ هي منظمة لا تبتكر. الخطأ الواعي أحد أهم مصادر النضج القيادي إذا أُحسن فهمه وإدارته.
وتبرز خرافة أخرى مفادها أن القيادة منصب وليست وظيفة تأثير. هذه خرافة إدارية بامتياز جعلت كثيرًا من الكراسي مزدحمة بينما الأثر غائب. بيكون كان سيعدّها من أصنام الكهف: أي الأوهام الفردية الناتجة عن تجارب شخصية ضيقة. فكم من شخص جلس على كرسي القيادة ولم يقد وكم من شخص بلا منصب وصنع تحوّلًا حقيقيًا في سلوك الآخرين.
إن أخطر ما في خرافات الإدارة القيادية أنها لا تعيق الأداء فقط انما تشوه الوعي. فهي تصنع قادة يطاردون الصورة لا الجوهر ويهتمون باللقب أكثر من الرسالة وبالظهور أكثر من الأثر. تمامًا كما حذّر بيكون: العقل إذا لم يتحرر من أوهامه فلن يرى الحقيقة حتى لو كانت أمامه.
الإدارة القيادية الحقيقية تبدأ حين نجرؤ على كسر هذه الخرافات، ونعود إلى السؤال الجوهري: هل ما نؤمن به عن القيادة نابع من فهم عميق أم من تكرار مريح؟ فحين يتحرر العقل القيادي من أصنامه. تتحول القيادة من خرافة جميلة… إلى ممارسة واعية تصنع الفرق.
للتواصل مع الكاتب saud.sh.20.9.1446@gmail.com


