الكذّابون.
نحن نعيش زمنًا تُمنح فيه الألقاب كما تُمنح الفلاتر: بضغطة زر، بلا جهد، بلا علم، وبلا خجل. لم تعد الشهرة نتيجة إنجاز، بل أصبحت مكافأة للكذب الوقح، ولمن يملك الجرأة على تزوير ذاته أمام الناس، ثم المطالبة بالتصفيق.
يخرج علينا يوميًا أشخاص بلا تاريخ، بلا شهادة، بلا أثر مهني واحد، وقد علّقوا على أسمائهم ألقابًا لم يتعبوا في بنائها: «إعلامي»، «خبير»، «مستشار»، ثم يتدرّج التزوير حتى يصل إلى «دكتور» و«أخصائي» و«صيدلاني». ألقاب مسروقة، لا تُلبَس شرفًا، بل تُرتدى قناعًا لخداع الجمهور، والمتاجرة بجهله المفترض.
هذا ليس طموحًا، بل احتيال. وليس اجتهادًا، بل تزويرٌ صريح. وهو قبل كل شيء إهانة لأصحاب المهن الحقيقيين الذين قضوا أعمارهم في الدراسة والعمل والانضباط، ليأتي من لا يملك سوى حساب نشط ولسان جريء، فيساوي نفسه بهم، بل ويتقدّم عليهم.
الأسوأ من الكذب هو احتقار وعي المجتمع. فهؤلاء لا يكذبون فقط، بل يفترضون أن الناس بلا ذاكرة، ولا عقل، ولا قدرة على التمييز. يفترضون أن اللقب وحده يصنع القيمة، وأن الضجيج يغني عن الكفاءة، وأن التكرار يحوّل الزيف إلى حقيقة.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى: اللقب لا يصنع الإنسان، والكذب لا يصنع خبيرًا، ومن لم يبنِ نفسه بالعلم والعمل، فلن ينقذه ألف مسمّى مزوّر.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


