هل سبق وأن شعرت بالحرج لأن أحدهم تذكر لون قميصك في لقاء حدث قبل أعوام، بينما لا تتذكر أنت ملامح وجهه؟ قبل أن تلوم ذاكرتك، عليك أن تعرف أن دماغك قد يكون ببساطة ‘أذكى’ من أن يشغل مساحته بتفاصيل لا تخدم مستقبلك.”
عندما يُطرح اسم شخص عابر أو حادثة قديمة، قد يفاجئك أحدهم باسترجاع تفاصيل دقيقة مذهلة؛ يسرد لك شجرة العائلة، ماذا كان يرتدي الجميع، وأين كانوا يقفون بالضبط، بينما تكتفي أنت بذاكرة ضبابية لا تكاد تمسك بطرف الخيط.
هذه الفجوة في الاستذكار تثير تساؤلاً جوهرياً: لماذا يخزن البعض شبكة معقدة من التفاصيل بينما نكتفي نحن بالقشور؟
حقيقة يتبادر لأذهاننا سؤال بديهي هل هو قصور في القدرات العقلية لدينا ؟
عند مواجهة هذا التباين، قد يتبادر إلى اذهاننا عدة تبريرات لنسياننا : هل هو تراجع في الذكاء أو قصور عقلي؟ ام أننا مررنا بالموقف دون انتباه كافٍ؟ أو مجرد نسيان ناتج عن ضجيج الحياة؟ ولكن في الواقع، الإجابة أعمق من ذلك؛ فهي لا تتعلق بـ “كفاءة” الذاكرة بقدر ما تتعلق بـ “آلية التصفية” تشير التفسيرات النفسية إلى أن عقولنا لا تخلد إلا ما نراه مفيداً أو ذا صلة مباشرة بنا. ويمكن تقسيم الإدراك هنا إلى مسارين.
* ما ندركه: هو كل ما يحمل قيمة شخصية، عاطفية، أو عملية. هذه المعلومات يعطيها العقل “تصريح دخول” للتخزين طويل الأمد.
* ما نتجاهله: هي التفاصيل الهامشية التي لا تخدم سياق حياتنا اليومي؛ فيسمح لها العقل بالتلاشي لتوفير طاقة المعالجة.
* الشخص الذي يتذكر التفاصيل الاجتماعية الدقيقة قد يمتلك نظام تصنيف يعتبر تلك البيانات “مفيدة” (بسبب شغف اجتماعي أو اهتمام بالعلاقات)، بينما لم يحمل المشهد ذاته وزناً إدراكياً كافياً لديك ليتم حفظه.
* إن الاختلاف في استرجاع التفاصيل ليس دليلاً على ضعف الذاكرة، بل هو تجسيد لـ “الذاكرة الانتقائية”. نحن نعيش في عالم مكتظ بالبيانات، وعقلنا يعمل كخبير تصفية ليُبقي فقط على “الذهب المعرفي”.
ختاما : الذاكرة ليست مجرد “خزانة” للتخزين، بل هي أداة لتوجيه السلوك. عدم تذكرك للتفاصيل الهامشية ليس غباءً، بل هو دليل على كفاءة دماغك في تخصيص موارده المحدودة للمعلومات التي تحمل أكبر قدر من المنفعة لحياتك وأهدافك.
للتواصل مع الكاتب 0504361380


