الفقد ليس امرا عابرًا، يمر في حياة الانسان بل يتجاوز ذلك ليكون بركانا ثائرا يعيد ترتيب المشاعر وصياغة الافكار وتغيير القناعات ، والتحول للعالم المجهول.
حين نفقد عزيزًا على قلوبنا فأننا لا نفقد شخصًا فقط، بل نفقد جزءًا من أنفسنا، من تفاصيل أيامنا، من احلامنا من ذكرياتنا من واقعنا نفقد من خلاله الشعور بمعنى الحياه الحقيقي وتنطفيء جذوة الامل التي كنا أعوام عديدة نشعلها متشبثين ومؤملين ان تصل بنا الى شاطئ السعادة المزعوم.
الرحيل موجع لأنه يأتي بلا استئذان وبلا مقدمات، يتركنا واقفين أمام بوابة الذكريات بل نعيش تفاصيلها ، نحاول أن نجد في خضم هذه العاصفة بصيص روح او نفهم كيف يمكن للحياة أن تمارس ركضها المعتاد دون توقف بمعية من كنا نظن أن وجودهم دائم وحقيقة لا تنتهي.
ان لحظة استيعاب الفقد يصبح فيها الزمن أثقل، والأماكن فارغة، والأشياء العظيمة مزيفة والصوت المألوف صخب وزخات المطر الباردة تحرق ما تلامسه.
الفقد بقسوته هو الشيء الوحيد الذي يمكنه ان يعلّمنا قيمة اللحظات السعيدة التي مرت دون ان نكترث لها او نرعي لها انتباه، الى تلك الأصوات والضحكات والهمسات والنصائح التي مرت بنا دون اهتمام ، الفقد هو الوحيد الذي من خلاله نتيقن بأن الحب لا يزول بالغياب، بل يتحوّل إلى ذكرى دافئة مليئة بالصور العابرة ، هو من يعلمنا ان الدعاءٍ الصادق قد حان، وإن الشوقٍ لن ينتهي.
والفقد وحده هو من يوصلك الى الحقيقة المسلمة التي تقول: ان من نحبهم لا يرحلون حقًا؛ بل يسكنوننا في كل تفاصيلنا ويضلون ضلا حاضرا، في كلماتنا، في اختياراتنا، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.
ولهذا أقول :
يَا وَالِدِي وَالْفَقْدُ بَعْدَكَ مُوجِعٌ
وَالْقَلْبُ مِنْ حِرْمَانِ قُرْبِكَ يَئِنُّ
أَحْيَا وَذِكْرُكَ فِي الْوَرَى مُتَوَهِّجٌ
وَنَبَرَاتُ صَوْتِكَ فِي الْمَدَى شَجَنٌ
أَوْصَيْتَنِي بِصَبْرِ الرِّجَالِ فَهَا هُوَ
مَلَّ مِنِّي وَأَثْقَلَتْهُ الْمِحَنُ
سَتَظَلُّ حَيًّا حَاضِرًا مُتَوَهِّجًا
وَيَبْقَى غِرَاسُكَ عَلَى الدَّهْرِ سكن


