أكدت الدكتورة – نهلة الصعيدي مستشار، شيخ الأزهر خلال كلمتها، أن مشروع الإمام أبي الحسن الأشعري يُعد من أبرز النماذج العلمية التي أعادت بناء العلاقة بين العقل والنقل على أساس من التكامل والاتزان، بما يحفظ للنصوص قدسيتها، ويُفعِّل دور العقل في الفهم والاستدلال دون إفراط أو تفريط، مشيرة إلى أن هذا المنهج أسهم في ضبط مسارات الخلاف العقدي ومنع تحوّله إلى صراع أو قطيعة داخل الأمة.
جاء ذلك خلال مشاركتها ورقة بحثية بعنوان: «العقل والنقل في مشروع الإمام الأشعري وأثره في ضبط الخلاف المذهبي»، وذلك ضمن الجلسة العلمية الثانية للمنتدى العلمي الأول الذي نظمه مركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، برعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بمركز الأزهر للمؤتمرات بالقاهرة، تحت عنوان: «الإمام الأشعري ومقاربات الفكر للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية».
وأوضحت أن المدرسة الأشعرية جاءت في سياق تاريخي شهد تباينًا في المناهج بين توسع في التأويل وتضييق في النظر العقلي، فكان المشروع الأشعري صياغةً علمية جامعة تؤكد أن الوحي أصل الهداية، وأن العقل أداة الفهم، وأن العلاقة بينهما علاقة تساند لا تنازع.
وبيّنت أن القرآن الكريم والسنة النبوية رسّخا مشروعية النظر والاجتهاد المنضبط، مؤكدة أن الاختلاف في دائرة الاستدلال لا يخرج صاحبه عن جماعة العلم ما دام ملتزمًا بأصوله وآدابه، وهو ما أسهم في بناء ثقافة علمية تُفرّق بين القطعي والظني، وبين أصول الدين والمسائل التي تتسع فيها وجوه النظر.
وأشارت إلى أن من أهم آثار المشروع الأشعري في ضبط الخلاف المذهبي: ترسيخ التمييز بين مراتب الأدلة، وبناء ثقافة الاستدلال والبرهان، وإحياء أخلاق النظر وآداب الخلاف، مؤكدة أن الخلاف العلمي المنضبط يمثل إثراءً للفكر، بينما يؤدي غياب ضوابطه الأخلاقية إلى الفتنة والانقسام.
وأضافت أن امتداد الفكر الأشعري داخل المؤسسات العلمية الكبرى أسهم في صياغة خطاب سني جامع، يحفظ وحدة الأمة مع الاعتراف بالتنوع المعتبر، مشددة على أهمية استئناف هذا المنهج في الواقع المعاصر لمواجهة مظاهر الاستقطاب وسوء توظيف التراث، وإعادة الاعتبار للحوار العلمي الرشيد.
واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن استحضار الإمام الأشعري في هذا المنتدى هو استحضار لميزان معرفي متزن، يجمع بين نور الوحي وحكمة العقل، ويُعيد للخلاف حدوده العلمية التي تحمي الأمة من التمزق، وتُرسخ قيم الوسطية والاعتدال.







