أحيانًا تأتي على أهل الحق لحظة يظنون فيها أنهم مخطئون، من شدّة الوقاحة والثقة التي يتحدث بها أهل الباطل – مصطفى محمود وهنا، لا تكون المشكلة في الحقّ بل في الضجيج الذي يحيط به، في تلك الجرأة الفجّة التي يرتديها الباطل وكأنها يقين، وفي ذلك الصوت المرتفع الذي يشبه الحقيقة، حتى يكاد يخدع أصحابه.
فأهل الحق لا يهتزّون لأنهم ضعفاء، بل لأنهم صادقون بما يكفي لمراجعة أنفسهم، بينما أهل الباطل لا يترددون… لأنهم خالون من الشك.
تلك اللحظة التي يشكّ فيها صاحب الحق بنفسه، ليست سقوطًا بل ذروة وعيه فالحق لا يحتاج إلى صراخ ليثبت نفسه..
ولا إلى وقاحة ليصمد.
في خضم النقاشات اليومية، سواء في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تعلو أصوات غايتها الظهور والتفلسف تتّسم بجرأة وثقة مفرطة، حتى وإن كانت بعيدة عن الصواب، مما يمنحها حضورًا واسعًا بين جمهور يشبهها.
و هذا الواقع قد يجعل أصحاب الحق يعيشون حالة من التردد، وقد يصل بهم الأمر إلى الشك في أنفسهم نتيجة لقوة الأسلوب والهش والغير منطقي، الذي يعتمده الطرف الآخر..؟؟ بالطبع لااااا..لانهم واثقين من أنفسهم.
فالصراع بين الحق والباطل لا يكون دائمًا صراعًا في الأدلة والحجج، بل كثيرًا ما يكون صراعًا في طريقة العرض والتأثير والتهويل إنها لحظة قاسية..ليس لأنها تكشف ضعفًا.
بل لأنها تضع الصدق في مواجهة الصخب، ذلك الصخب الذي يوحي بقدرة فائقة على الإقناع، أو على الأقل تشويش القناعات في المقابل، قد يظهر أهل الحق بمظهر الهدوء أو التحفّظ، وهو ما قد يُفهم خطأً على أنه ضعف، رغم أنهم يستندون إلى الحقيقة.
هذا التباين قد يخلق حالة نفسية ويتساءل فيها صاحب الحق عن صحة موقفه، وتكمن خطورة التأثير النفسي، إذ قد يطغى الأسلوب على المضمون، وتُخفي الثقة ضعف الحجة.
ولا يقتصر هذا الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى المجتمعات، حيث قد تتشكل آراء عامة مبنية على الانطباع بدل الحقيقة، خاصة في ظل بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل.
ومع ذلك، لا يحتاج الحق إلى هذا الاستعراض فهو هادئ، لا يصرخ، ولا يفرض نفسه بالقوة قد يبدو أضعف في لحظات مقارنة سطحية لكنه أكثر رسوخًا في عمق الحقيقة والمضمون كما أن واجب النقد الإيجابي لا يكون للتقليل من شأن الآخرين، بل لدعمهم وتحفيزهم على التحسن فالتركيز يجب أن يكون على الفعل لا على الشخص، لأن النقد البنّاء طريق للنمو
لا جدار يعيق التطور.
وحيث إن الوعي والتفكير النقدي هما السبيل للوصول إلى الحقيقة والثبات عليها في الختام، يبقى التمسك بالحقيقة أمرًا ضروريًا مهما علت الأصوات المخالفة، فليس كل واثقٍ محقّ، وليس كل مترددٍ مخطئ.
ونسأل أنفسنا حين يعلو صوت الباطل : هل يشك أصحاب الحق..؟؟ ربما يتساءلون.. لكنهم لا يفقدون يقينهم فلنصبر فليس كل من يتكلم بثقة يملك الحقيقة.
وليس كل من تردد كان مخطئًا اللہُــــــــــــــم أرِنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعلنا يوماً ممن قلت فيهم : ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
للتواصل مع الكاتب KhaledBaraket@gmail.com




