شخصية هذه الحلقة جديرة بأن تُذكر ، سيرتُها عطرة ، ومسيرتها حافلة ، وتاريخها ناصع ، وجُهدها واسع هكذا هُم الرجال الذين يتركون أثرا وبصمة في حياتهم ، لا ينساهم حِبْر الأقلام ، ولا تتجاوزهم بلاغة اللّسان ، ولا يتعدّاهم طِيْب الكلام ضيف الحلقة ينتسب إلى أسرة كريمة عريقة تنحدر جذورها إلى نسب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهي معروفة في مجتمع طيبة الطيّبة.
والده الوجّيه والأديب والخبير الزراعي المعروف الشيخ الجليل – عبدالحميد عباس ، من أعيان ووجهاء هذه البلدة الطاهرة في تلك الحقبة الزمنية ، صاحب المجلس الإجتماعي المعروف في بُستانه العباسية بقباء الذي كان يستقبل فيه يوميًا طائفة من أهل المدينة وزوّارها من أمراء وعُلماء وأدباء وشعراء ووجهاء ومن عامة الناس ، وفي رحاب ذلك المجلس تُعقد الندوات وتُقضى الحاجات وتُحل المشكلات وتُفض النزاعات والخلافات بتوفيق الله تعالى ثم بحكمة ورجاحة عقل صاحبه الشيخ عبدالحميد رحمه الله.
ضيفنا اليوم ارتدى جِلْبَاب أبيه هو وشقيقه الأكبر الوجيه الشيخ – أحمد بن عبدالحميد عباس رحمهما الله وباقي الأشقّاء الكرام انتهجوا نهجه المستقيم ، واقتدوا أثره القويم ، وترسّموا خُطاه في الأخلاق والأدب والعلم ، والتمسّك بالدّين العظيم ضيفنا تعلّم حرث الأرض وزراعتها من أبيه حتى أصبح خبيراً بها ، وتعلّم في المدارس حتى صار مُعلّمًا فيها.
عرفتُه رحمه الله عن قُرب صاحب أخلاق عالية وشخصية بارزة مُتّزنة ، وطلاقة وحلاوة لسان ، عُرف عنه الكرم وحُسن الضيافة والوفادة ، يشهد له مسجد قباء بارتياده اليومي ، لا يخرج لصلاة الجمعة إلا بكامل أناقته وملبسه مرتديًا بُشته ( المِشْلَح ) كأنه في يوم عُرسه.
ضيف حلقة اليوم هو الأستاذ : إبراهيم بن عبدالحميد عباس رحمه الله وغفر له وُلد على ثرى طيبة الطيبة في حي العنبريّة عام 1368هـ ، ونشأ وتربّى على ثراها الطاهر تأسّى وتأثر بالجوار الشريف درس وتعلّم في مدارسها ، حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة قباء الابتدائية ، وبعد حصوله على شهادة الكفاءة المتوسطة التحق بمعهد المعلمين الثانوي بالمدينة وتخرّج مُعلّمًا ، مارس مهنة التعليم حتى قدّم استقالته عام ١٣٩٦هـ ليتفرّغ للتجارة والأعمال الحُرّة ومُمارسة معشوقته الزراعة.
وبتوفيق الله تعالى حقّق الكثير من الأعمال والمشاريع والإنجازات التي كان يسعى ويتطلّع إليها الأستاذ – إبراهيم بجانب ما كان يتمتّع به من حِس تربوي ومُيول للتجارة والزراعة إلّا أنّه كان له توجُّه للإطلاع الواسع والقراءة في كثير من كتب الأدب والعلوم المختلفة واستطاع بهذا العشق والنّهم للكتب أن يُنشئ مكتبة خاصة ضخمة له احتوت على أكثر من أربعة آلاف كتاب واستطاع من خلال إلمامه بهذا الجانب العلمي والأدبي وخبراته العملية في مجال الزراعة والتجارة أن يَحصُد به إرثًا ثقافياً ويرصُد نتاجًا فكريًا سطّره قلمه في صفحات العديد من كتب قام بتأليفها أذكر منها :
* كتاب أعلام وتراجم من عهد النبوّة حتى عصرنا الحاضر.
* كتاب السيول وأوديتها بالمدينة المنورة.
* كتاب الجاه وآفاته على المجتمع.
وكان للمرحوم بأذن الله الأستاذ – إبراهيم جُهود واضحة ومشاركات فاعلة في كثير من المهام الرسمية والتطوعية والاجتماعية أذكر منها :
تمّ ترشيحه عام 1400هـ ضمن مجموعة من الخبراء الزراعيين مُمثلا عن المدينة المنورة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة زراعة النخيل وتصنيع التمور وتخزينها تمّ تعيينه عضوا في الجمعية الزراعية ومساهمًا فيها عُيّن عضوًا في مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية عُيّن عضوا في اللجنة الزراعية في الغرفة التجارية تمّ اختياره من مقام إمارة منطقة المدينة المنورة عُضوًا في لجنة الأودية والسيول وخطورتها على البلد نظرًا لخبرته الواسعة في جغرافية وتضاريس وأودية المدينة.
هذه إطلالة سريعة ومُوجزة على حياة ومسيرة المُربّي الفاضل والمُزارع والتاجر والخبير الأستاذ الخلُوق إبراهيم عباس والأعمال التي قام بها في خدمة وطنه ومدينته ومجتمعه وأدّاها بكل أمانة وصدق حتى وافاه الأجل المحتوم في مسقط رأسه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أدائه صلاة الجمعة الموافق 17 شوال 1429هـ ، ودُفن في بقيع الغرقد بجوار آل البيت والصحابة الكرام والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
رحمه الله وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وجعل ما قدّمه لدينه ووطنه ومدينته في موازين حسناته يوم القيامة وخلّف الأستاذ إبراهيم أربعة من الأبناء الأعزاء ، وهُم جُسور وامتداد له في أدبه وأخلاقه وعلمه وكفاحه : الأستاذ نهشل ، المهندس محمد ، الأستاذ ماجد ، الأستاذ يوسف – حفظهم الله وجعلهم ذريّة صالحة وغَرسًا مُثمرًا ومنبتًا يانعًا وامتدادًا مُباركًا لوالدهم.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢


