ها نحن نعيش أيام العام الهجري الجديد، جعله الله عام خير وبركة، نقف على أعتاب زمنٍ لم نختبره بعد، نحمل في دواخلنا مزيجاً من الحنين إلى ما مضى، والترقب لما سيأتي نطوي صفحة عامٍ انقضى بكل ما فيه من تجارب صاغت وعينا، ومواقف هذبت سلوكنا، وأحداث أكدت لنا أن الثابت الوحيد في هذه الحياة هو التغيير. ونستقبل عاماً نرجو من الله أن يجعله نقطة تحول حقيقية لنا، لا في أرقام التقويم فحسب، بل في واقعنا وأخلاقنا وطموحاتنا نحو الأجمل والأفضل والأحسن.
رأيي: أن الخطأ الأكبر الذي نقع فيه مع بداية كل عام هو اختزال التغيير في الأمنيات نكتب قوائم طويلة بالأهداف، ونطلق الوعود البراقة، ثم ما نلبث أن نعود إلى دوامة الروتين بعد أسابيع قليلة والسبب في ذلك أننا ننتظر من “العام الجديد” أن يفعل لنا ما عجزنا نحن عن فعله. والحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أن الأعوام لا تغير الناس، بل الناس هم من يغيرون مسار الأعوام.
إن أول أيام العام هي أنسب فرصة لإجراء مراجعة ذاتية صارمة لا أعني بها جلد الذات، بل محاسبة العاقل لنفسه. ماذا حققت في عامي المنصرم؟ أين أخفقت ولماذا؟ ما العادات التي استنزفت وقتي وطاقتي؟ وما القيم التي تخلّيت عنها تحت ضغط الظروف؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل هي حجر الأساس لأي نهضة شخصية. فمن لا يعرف من أين يبدأ، سيتيه في دروب لا يعرف نهايتها.
في رأيي، التحدي الحقيقي أمامنا اليوم ليس في رسم الأحلام الكبيرة، بل في الالتزام بالخطوات الصغيرة. النجاح لا يأتي بقفزة واحدة، بل هو تراكم يومي لعادات إيجابية أن تقرأ عشر صفحات كل يوم خير من أن تشتري مئة كتاب لا تفتحها أن تمارس الرياضة ربع ساعة بانتظام خير من أن تشترك في نادٍ رياضي تزوره مرة في الشهر العام الجديد يمنحنا 365 فرصة، والخاسر من أضاعها في انتظار “اللحظة المثالية” التي قد لا تأتي أبداً.
وعلى المستوى المجتمعي، أرى أن مسؤوليتنا في هذا العام تتجاوز ذواتنا نحن جزء من نسيج هذا الوطن المعطاء، ونهضته من نهضتنا فليكن من أهدافنا هذا العام أن نكون أكثر عطاءً لمجتمعنا بالكلمة الطيبة، بالمبادرة التطوعية، بإتقان العمل، بنشر الإيجابية، بالكف عن السلبية والتشكيك. فالأوطان لا تبنى بالجهود الحكومية وحدها، بل بتكامل أدوار أبنائها وإخلاصهم.
قد يقول قائل: الظروف صعبة، والتحديات كبيرة. وهذا قول حق لكنني أؤمن أن العظماء لا يُقاسون بانعدام العواصف في حياتهم، بل ببراعتهم في قيادة سفنهم وسطها. التاريخ لا يذكر أولئك الذين استسلموا للواقع، بل يخلّد من شقوا طريقهم رغم الصخور. فلنجعل من تحديات هذا العام وقوداً لنا لا قيداً علينا.
ختاماً، ونحن في أول أيام هذا العام، أدعو نفسي وإياكم إلى عقد شراكة جديد مع الحياة: أن نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا، وأكثر رحمة بغيرنا، وأكثر قرباً من الله أن نتعامل مع كل يوم جديد على أنه هبة لا تتكرر، وصفحة بيضاء نملأها بما يسرنا أن نراه غداً فلنبدأ عامنا بقلوب مؤمنة، وعقول واعية، وهمم تناطح السحاب.
نسأل الله تعالى أن يكون عام خير وبركة وأمن وأمان على قيادتنا ووطننا والعالم أجمع وأن يكتب لنا فيه التوفيق والسداد، ويحقق لكل منا ما يصبو إليه من خير.
كل عام ونحن أقرب إلى أحلامنا، وأصدق في سعينا، وأعظم أثراً.
للتواصل مع الكاتب :al.mozine1436@gmail.com


