بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره وببالغ الأسى والحُزن فقدت طيبة الطيّبة يوم أمس الأول ابنًا من أبنائها البررة وَأَحَد رجالها العظام بفقده تألّمت القلوب وأذرفت بغيابه الدُّموع .. حيث رحل عنّا مُربّي الأجيال وعميد الحرف والكلمة المؤرّخ والأديب بالمدينة المنورة : الأستاذ محمد صالح البليهشي لا أُبالغ إذا قلت أنّ الفقيد كان رائدًا ورمزاً في كل شيء : في أخلاقه وأدبه ، في علمه وثقافته ، في كتاباته وكُتبه ، في ادارته وقيادته ، في سيرته ومسيرته ، في نهجه ومنهجه.
فقيدنا الغالي يعرفه مَن له علاقة بالنادي الأدبي ( الوادي المُبارك ) بالمدينة فهو أحد مَن تجوّل في أروقته ، وأَرَاقَ على أوراقه مِدَاد قلمه فكتب وألّف حتى نسج على جداره وجنباته اسمه وجانب من مسيرته ، ورافق الفقيد مُؤسّس النادي الأستاذ الأديب الكبير – عبدالعزيز الربيع مدير تعليم المدينة سابقا مشوار تأسيس النادي.
الفقيد يعرفه منسوبو التعليم في المدينة ، كان مُعلّمًا ناجحًا ، ومديرًا بارعًا ، لعدة مدارس في كافة المراحل أيضًا مَن كان له في الصّحافة مَيْلٌ ونصيب يعرف الفقيد من قريب أو بعيد.
وُلد الأستاذ – محمد البليهشي في قرية المَضِيْق بوادي الفرع عام ١٣٦٥هـ ، وتلقّى تعليمه الأوّلي في كُتّاب الشيخ مفلح الشاماني بأحد مساجد قرية المضيق التحق بالمدرسة الابتدائية بنفس القرية عام ١٣٧٤هـ التحق بمعهد المعلمين بالمدينة عام ١٣٨٢هـ حصل على شهادة الثانوية العامة عام ١٣٨٨هـ حصل على ثانوية المعهد العلمي بالمدينة التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٣٩٠هـ حصل على شهادة الليسانس في الشريعة من جامعة الإمام عام ١٣٩٥هـ.
أول تعيين له في سلك التعليم مُعلّمًا في المدرسة المحمدية النموذجية بالمدينة في موقعها الأول في حُوش منصور ، وكان كاتب هذه السطور طالبًا في المدرسة حينئذ ، فقد لَمَحَ ذلك المُعلّم البَشُوش الحنُون العطُوف يُحيط طلابه بلفيف من الرعاية والعناية والأبوّة الحانية التي جعلت اسمه وهيئته يرسخان في ذاكرة طلابه إلى يومنا هذا.
تنقّل فقيدنا العزيز مُعلّمًا وقائدا تربويًا في مدارس مختلفة بالمدينة ابتدائية ومتوسطة وثانوية حتى أنهى مشواره الوظيفي في التعليم عام ١٤١٣هـ بتقاعده المُبكّر الذي جاء بناءً على طلبه.
لم يتثاءب بعد تقاعده عن العمل بل واصل السعي ، فأنشأ مدارس القصواء الأهلية شملت جميع المراحل الدراسية وترأس إدارتها وللأستاذ محمد رحمه الله إسهامات بارزة في مجال التأليف حيث صدر له مجموعة من الكتب والمؤلفات على أصعدة مختلفة من التخصصات الأدبية والثقافية والتراثية والتعليمية أذكر بعضًا منها.
*المدينة اليوم.
*حُروف الرماد.
*لمحات من حياة الأستاذ عبدالعزيز الربيع.
*الإدارة المدرسية بين النظرية والتطبيق.
*مدينة بدر التاريخية.
*ثانوية طيبة في خمسين عاماً
*مسيرة خمسة وعشرين لنادي المدينة الأدبي.
*رسائل في حُبّ الوطن وغيرها من الكتب والمؤلفات.
وإذا تحدّثنا عن الصحافة نجد فقيدنا له بصمات واضحة في سجلّها فقد عمل مندوبًا صحفيًا ، وأشرف على صفحة المدينة في جريدة المدينة عشر سنوات ، وشغل منصب مدير مكتب جريدة الندوة بالمدينة عدّة سنوات.
وللفقيد الغالي مُساهمات ومُشاركات محلية وعربية شارك فيها بفاعلية وحاز منها على جوائز تقديرية رفيعة ولولا ضيق المساحة لأسترسلتُ كثيرًا في عرض جوانب مُضيئة ونماذج مُشرّفة لهذا الفارس الوفي الذي عمل على ثُغور عدّة أتقن وأخلص العمل فيها فكان أنموذجاً مُشرّفًا لوطنه ومدينته ومجتمعه.
وبعد هذه الرحلة الطويلة المُرصّعة والحافلة بالنشاط الفكري ، والعطاء العلمي ، والحِراك التربوي للأستاذ محمد فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها صباح يوم الخميس الموافق : ٢٣ / ٢ / ١٤٤٨هـ ٦ / ٨ / ٢٠٢٦م في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمّ الصلاة عليه في مسجده المبارك ، ووُري الثراء في بقيع الغرقد بجانب آل البيت والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
قبل الختام.
أرغب أن أشير إلى أنّ الأستاذ محمد له أبناءٌ لايقلّون عنه في الأخلاق والأدب والعلم والعطاء والحماس منهم الأستاذ قاسم محمد البليهشي وهو أكبر الأبناء ، أخ عزيز وزميل خلُوق شغل منصب مدير إدارة تعليم الكبار بتعليم المدينة حتى تقاعده حفظه الله كما أنّ فقيدنا العزيز والد معالي المهندس فهد محمد صالح البليهشي أمين المدينة المنورة وفّقه الله.
رحم الله أستاذنا الفاضل الجليل محمد بن صالح البليهشي وجزاه عنّا وعن كل ما قدّمه لوطنه ومدينته ومجتمعه من أعمال وانجازات في ميزان حسناته وجعله الله في العلّيين مع النبيّين والصدّيقين والشّهداء والصّالحين وحُسن أولئك رفيقا وجميع موتى المسلمين.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢

الراحل – محمد صالح البليهشي


