احترام الميت.
-لماذا نحن في الوطن العربي عامة، وفي وطننا الكبير المملكة العربية السعودية خاصة، نحترم الميت أكثر مما نحترم الحي؟
-نتخاصم، ونتباعد، ونتقاطع، ونتبادل الاتهامات، وننسب إلى بعضنا ما فينا وما ليس فينا، حتى تصل بعض خلافاتنا إلى أروقة المحاكم ونحن أحياء. فإذا مات أحدنا، تغيّر كل شيء؛ نسامحه، ونترحم عليه، وندعو له، ونستعرض محاسنه، ونعدد مآثره، ونغفر له ما مضى.
-فلماذا لا نمنح الإنسان بعض هذا الحب والتقدير وهو بيننا حيًّا؟ كنا نحب الأمراء والعلماء والاقارب والأصدقاء ، رحمهم الله جميعًا، وحين رحلوا عن الدنيا، ازداد حبنا لهم، وكأن الموت منحهم مكانة لم نمنحهم إياها وهم بيننا.
-وكان بيننا لاعبون دوليون كبار، وأحباب رحمهم الله، . عاشوا بيننا، وكان بعضهم مديونًا، وبعضهم مريضًا، وبعضهم يواجه ظروفًا قاسية، وبعضهم دخل السجن. أهملنا أحوالهم، أو لم نلتفت إليها بما يكفي، حتى جاء أمر الله، ولا اعتراض على قضائه ثم بعد رحيلهم، تسابق محبيهم والمشاهير إلى إعلان التكفل بديونهم، ومدّ يد العون إلى أسرهم.
-والسؤال الذي يفرض نفسه: أين كان هذا الحب، وأين كانت هذه المبادرات، عندما كانوا أحياءً بيننا؟ نحن، مع الأسف، شعب يجيد احترام الميت أكثر من الحي.
-بل حتى الدولة، أعزها الله، تتنازل عن بعض حقوقها عند وفاة الإنسان، بينما نحن لا نتذكر بعض محاسن الإنسان إلا بعد رحيله. نذكر سلبياته وهو حي، ونلاحقه بها أينما حل، ونغفل عن إيجابياته ومواقفه الطيبة. فإذا مات، انقلبت الموازين، وأصبحنا نبحث عن أجمل ما فيه، ونعدد فضائله، وندعو له، ونقول: كان رجلًا طيبًا، وكان كريمًا، وكان صاحب مواقف.
-فلماذا لا نقول له ذلك وهو يسمعنا؟
لماذا ننتظر الموت حتى نُسمع الإنسان ما يسرّه؟
إذا أردت أن تُحسن إلى إنسان، فأحسن إليه وهو حي.
وإذا أردت أن تدعو له، فادعُ له وهو حي.
وإذا أردت أن تسامحه، فسامحه وهو حي.
وإذا أردت أن تعفو عنه، فاعفُ عنه وهو حي.
وإذا كان له فضل عليك، فاشكره قبل أن يغيب عن الدنيا.
-وإذا كان بينك وبينه خلاف، فبادر إلى الصلح قبل أن يصبح الاعتذار بلا معنى.
هل يعقل أن يموت الإنسان حتى نعرف قدره؟
وهل يجب أن يغيب حتى نعلن محبتنا له؟
وهل لا نستطيع أن نعفو إلا بعد أن يصبح العفو بلا أثر؟
بالله عليكم، أي واقع هذا؟ وأي سلوك هذا؟
إن كان في قلوبنا حب، فليصل إلى صاحبه وهو حي.
وإن كان في نفوسنا عفو، فليُمنح قبل فوات الأوان.
وإن كان لدينا تقدير، فليُقال في وجه صاحبه، لا عند قبره.
-فالكلمة الطيبة لا تحتاج إلى قبر، والعفو لا يحتاج إلى جنازة، والمحبة لا ينبغي أن تبدأ من مجلس عزاء.
والله عيب.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


