منذ الطفولة الأولى، كان الشغف ينمو مع كل خطوة يخطوها على العشب، وكأن النضج لم يكن مجرد سنوات تمر، بل كان امتداداً لقوة خفية تدفعه نحو العلو، تحول ذلك الصغير الذي يركض خلف الكرة في الحارات الضيقة إلى قامة فارعة تهابها المدافعون، ولم يكن الطول هنا مجرد أمتار تقاس، بل كان رفعة في الطموح والمهارة تتسامى بمرور الأيام، حتى غدت قامته في الملعب منارة تلتقط التمريرات البعيدة، وتحول ذلك الفتى النحيل إلى عملاق يطال النجوم بضرباته الرأسية وحضوره المهيب، متوجاً رحلة الصبر الطويلة ببريق التألق الذي ينير منصات المجد، لتشهد الملاعب الترابية البعيدة عن أضواء العواصم الصاخبة ولادة حكاية لم تكتبها صحف الشهرة أولاً، بل خطتها أقدام سمراء لاهثة خلف شغف مستعر، هناك في زوايا الظل حيث تنمو المواهب بصمت، برز الفتى عبد الرحمن العبيد، كظبي بري يسبق الريح في مضامير لم تعترف يوماً بالهوان، كان يحمل في ساقيه سرعة الفهد وفي قلبه يقين الفرسان، لكن قريته وناديه الرابض في تصنيفات الدرجات الدنيا كانا أشبه بسور غير مرئي يحجب شمسه عن أفق الإعلام الموعود.
في كل موسم، كان ينهض من رماد العثرات الجمعية، يقود رفاقه بصيحات مخلصة، يمزق شباك الخصوم تلو الشباك، حتى غدا هدافاً لا يشق له غبار، يسجل من أنصاف الفرص، ويصنع من عرق الجبين مجداً محلياً خالصاً، يطالع الأفق منتظراً تلك اليد التي تمتد لتنتشله إلى مقامه الطبيعي بين النخبة، فالدرعية النادي الذي ترعرع في أشباله لأكثر من تسع سنوات، كان يشهد أن هذا النجم الأسمر الدرعاوي أكبر من مجرد لاعب عابر، بل هو أيقونة الأمل الظامئ للصعود.
وعندما التفتت إليه عين الحبر، ونظر إليه رئيس تحرير تلك الصحيفة العتيقة، رأى فيه ما لم تره الشاشات، رأى في ملامحه السمراء وجريه الدؤوب طالعاً حسناً وبشارة خير، فأطلق عليه لقب فال السعد على فريقه، ليتحول هذا الاسم إلى تعويذة تتردد في الأرجاء، تصف ذلك البطل الذي يقهر شح الإمكانات بفيض العطاء، منتظراً فرصة العمر الكبرى ليثبت أن فرسان الظل هم الأجدر باعتلاء منصات النور.


