منذ زمن بعيد، كانت الأمثال الشعبية تختصر تجارب طويلة في كلمات قليلة، فتقول ما قد تعجز عنه الخطب الطويلة والمقالات المطولة؛ ومن تلك الأمثال ذات الدلالة العميقة ذلك المثل الشعبي وأعتقد أنه مصري الذي يقول: “طول ما الحمير ساكتة.. العربجي يفضل يزيد في الحمولة”، وهو مثل شعبي بسيط في ألفاظه، لكنه واسع المعنى، عميق الدلالة، وقابل لأن نجد صورته في كثير من تفاصيل الحياة؛ فالقصة في ظاهرها لا تتجاوز دابة تحمل الأثقال، ورجلًا يضع فوق ظهرها حمولة بعد أخرى، لكنه في باطنه يتحدث عن طبيعة بشرية قديمة: حين يتحول الصمت إلى قبول، والقبول إلى عادة، والعادة إلى فرصة للمزيد من التحميل؛ والإنسان، في حياته، قد يتحمل كثيراً، وهذا أمر لا يُعاب عليه؛ بل إن القدرة على التحمل من الصفات التي تمنح الإنسان قوة وخبرة ونضجاً؛ غير أن المشكلة تبدأ عندما لا يعود التحمل اختياراً واعياً، وإنما يصبح استسلاماً دائماً لكل ما يُلقى على الكتفين.
هناك فرق كبير بين أن تتحمل لأنك قوي، وبين أن يصمت الآخرون عنك لأنهم اعتادوا أنك ستتحمل دائماً؛ فكم من إنسان بدأ الأمر معه بطلب بسيط، ثم أصبح مسؤولية، ثم تحولت المسؤولية إلى مجموعة من الالتزامات، ثم وجد نفسه يحمل ما لا يخصه، وينجز ما لم يكن مطلوباً منه، ويصلح أخطاء لم يرتكبها، ويتحمل نتائج قرارات لم يشارك فيها!
وفي البداية ربما يقول: “لا بأس”؛ ثم يقول مرة أخرى: “دع الأمر يمر”؛ ثم يتكرر الأمر، فيصبح ما كان استثناءً قاعدة، وما كان مساعدةً واجبة، وما كان تقديراً يتحول إلى توقع دائم؛ وهنا تبدأ الحكاية التي لخصها المثل الشعبي ببراعة؛ فبعض الأحمال لا تزداد لأن أصحابها يطلبون الكثير فقط، وإنما لأنها تجد من يحمل دون أن يقول: كفى.
إن الصمت فضيلة في مواقف كثيرة، والحكمة تقتضي أحياناً أن يتجاوز الإنسان بعض الأمور، وألا يدخل في كل جدال، وألا يرد على كل إساءة، وألا يحول حياته إلى معركة مستمرة؛ لكن الصمت ليس فضيلة في كل الأحوال، كما أن الكلام ليس خطأً في كل الأحوال؛ فهناك صمت يدل على الحكمة، وهناك صمت قد يُفهم خطأً على أنه رضا وهناك تنازل يصنع المودة، وهناك تنازل يفتح الباب لمزيد من التجاوز؛ وهناك صبر يرفع صاحبه، وهناك صبر إذا طال في غير موضعه جعل الآخرين يظنون أن القدرة على الاحتمال لا نهاية لها.
ولعل من أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعتاد الآخرون على تحمله؛ فحين يعرفون أنك لن تعترض، قد يطلبون منك أكثر؛ وحين يطمئنون إلى أنك لن ترفض، قد يضيفون إليك مسؤوليات جديدة؛ وحين يرون أنك تقوم بما لا يجب عليك القيام به، قد يصبح ذلك في نظرهم أمراً طبيعياً؛ وهكذا، شيئاً فشيئاً، تتراكم الأحمال؛ ليس لأن الإنسان عاجز عن قول “لا” فقط، وإنما أحياناً لأنه يخشى أن يُساء فهمه، أو يريد أن يحافظ على صورته الطيبة، أو لا يريد أن يزعج الآخرين، أو يؤجل الحديث المناسب حتى يصبح الوقت متأخراً؛ ومع مرور الأيام، يكتشف أنه كان يدفع ثمن صمته.
إن الإنسان الطيب ليس مطلوباً منه أن يكون مستباحاً، والمتعاون ليس مطلوباً منه أن يتحول إلى شخص يحمل عن الجميع، والصبور ليس مطلوباً منه أن يسمح بتجاوز حدود قدرته، كما أن صاحب القلب الكبير يحتاج أحياناً إلى أن يرسم حدوداً تحمي ذلك القلب؛ فالحياة لا تسير دائماً بمنطق أن الآخرين سيعرفون حدودك من تلقاء أنفسهم.. أنت الذي يجب أن يعرفهم بها؛ وأنت الذي يجب أن تقول في الوقت المناسب: هذا ما أستطيع، وهذا ما لا أستطيع؛ وليس في ذلك قسوة، ولا أنانية، ولا تخلي عن المسؤولية، بل هو نوع من الوعي بالنفس، واحترام القدرة، والمحافظة على التوازن؛ فالإنسان الذي يحمل فوق طاقته باستمرار لن يبقى قوياً إلى الأبد، والكتف الذي يتلقى الأثقال دون توقف قد يأتي عليه يوم لا يستطيع فيه حمل شيء.
ولهذا فإن الحكمة ليست في أن نثبت للجميع أننا قادرون على حمل كل شيء، بل في أن نعرف ماذا نحمل، ولماذا نحمل، وإلى أي حد يمكن أن نستمر في الحمل؛ وليس كل ما يوضع أمامنا واجباً علينا، وليس كل مشكلة نراها مسؤوليتنا، وليس كل طلب يجب أن نقول له نعم، وليس كل صمت هو الطريق الصحيح.
ربما كان أجمل ما في الأمثال الشعبية أنها لا تقدم درساً مباشراً، وإنما تترك لنا صورة بسيطة نتأملها، ثم نكتشف أننا نعيشها في صور كثيرة؛ ولذلك فإن هذا المثل لا يتحدث عن دابة وحمولة فحسب، بل يتحدث عن حياتنا جميعاً؛ فهو يتحدث عن الموظف الذي يحمل أكثر مما يستطيع لأنه لم يعترض منذ البداية، وعن الإنسان الذي يستنزف وقته لإرضاء الجميع، وعن الصديق الذي يُطلب منه دائماً لأنه لا يرفض، وعن الشخص الذي يتنازل مرة بعد مرة حتى يكتشف أن الآخرين لم يعودوا يرون تنازله فضلاً، بل حقاً مكتسباً؛ والحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن القدرة على الاعتراض بأدب لا تقل أهمية عن القدرة على التحمل بصبر؛ وأن قول “كفى” في الوقت المناسب قد يكون أكثر حكمة من الصمت الطويل؛ وأن الحدود ليست جدراناً نبنيها بيننا وبين الآخرين، بل هي خطوط تحفظ الاحترام، وتمنع الاستغلال، وتحمي العلاقات من أن تتحول إلى أعباء.
نحن لا نحتاج إلى أن نرفع أصواتنا دائماً، ولا أن ندخل في خصومات، ولا أن نخاصم الدنيا ومن فيها، لكننا نحتاج إلى ألا نترك صمتنا يُفسر على أنه قبول دائم بكل شيء؛ فالذين يعتادون على أنك تحمل، قد لا يتوقفون عن إضافة الأحمال إلا عندما يدركون أن للحمل حدوداً، وللصبر نهاية، وللإنسان طاقة لا ينبغي تجاوزها؛ ولذلك، ربما كانت الرسالة الأهم التي يحملها ذلك المثل الشعبي القديم هي: لا تجعل طيبتك دعوة مفتوحة للاستغلال، ولا تجعل صبرك سبباً لزيادة أعبائك، ولا تجعل صمتك الطويل يمنح الآخرين الحق في وضع المزيد على كتفيك؛ فبعض الأحمال لا تحتاج إلى قوة أكبر لحملها …بل تحتاج إلى كلمة واضحة في الوقت المناسب تمنع إضافتها من الأساس.
للتواصل مع الكاتب @mawdd3


