في عصر الذكاء الاصطناعي مدرسة فكرية واحدة فالذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على قراءة ملايين الصفحات ومقارنة النصوص وتحليل الكلمات وإكتشاف الروابط والانماط التي يصعب على الانسان ملاحظتها في قراءة واحدة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفتح أمام الانسان طريقاً جديداً للتدبر القرآني الإجابة نعم ولكن بشرط أساسي أن يكون الذكاء الاصطناعي وسيلة بحث والتدبر لا سلطة بديلة عن القران ولا عن العقل الانساني فالقران والتفسير ليس شيئاً واحداً فمن أهم القضايا التي ينبغي الانتباه إليها عند إستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القرآني التمييز بين النص القرآني وبين الفهم البشري للنص فالقران نص مقدس أما التفاسير فهي جهود بشرية نشأت في عصور مختلفة وأرتبطت بعلوم اللغة والفقه والعقيدة وثقافة المفسر وظروف عصره.
وهنا لا يعني التقليل من قيمة التراث التفسيري بل يعني وضعه في إطاره الصحيح نقرأ التفسير ولكن لا نجعل التفسير هو القران وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي وظيفة معرفية مهمة إذ يستطيع أن يعرض للمستخدم أكثر من قراءة تفسيرية ويبين مواضع الاتفاق والاختلاف ويكشف له أن بعض المعاني التي تبدو قطعية عند القارئ قد تكون في حقيقتها إجتهاداً بشرياً أختلف فيه العلماء فمن سؤال ماذا قال المفسرون في هذه الآية إلى سؤال ماذا يقول النص في سياقه ثم ما علاقة هذه الآية بالآيات الاخرى وكيف استعملت الكلمة نفسها في مواضع مختلفة وما الفرق بين الالفاظ المتقاربة وهل هذا المعنى ناتج من النص نفسه أم من إضافة تفسيرية ومعلوم أن القران يفسر بعضه بعضاً عن طريق لسانه العربي المبين ويفتح باباً للتدبر ويدعو الانسان إلى النظر والتفكر والتأمل ومن ذلك قوله تعالى ” أفلا يتدبرون القران ” كتاب أنزلناه إليك ليدّبروا آياته.
وهنا يمكن للتقنية الحديثة أن تمنح القارئ أدوات لم تكن متاحة بهذه السهولة من قبل والذكاء الاصطناعي يمكن بناء نظام ذكي للتدبر القرآني يقوم بعدة وظائف في البحث الموضوعي إذا أراد الانسان دراسة مفهوم العقل مثلاً يستطيع النظام جمع الآيات التي تتصل بالعقل والتعقل والتفكر والتدبر والفقه والنظر ثم ترتيبها بحسب سياقاتها أيضا دراسة المفردة القرانية حيث يمكن تحليل الكلمة القرانية في جميع مواضعها ومقارنة إستعمالاتها والنظر في السياق الذي وردت فيه وهذا يساعد على تجنب مشكلة شائعة وهي أخذ كلمة من آية واحدة وبناء معنى كامل لها بعيداً عن بقية الاستعمالات القرانية ثم دراسة السياق فلا ينبغي أن تقرأ الآية منفصلة عن سياقها والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعرض الأيات السابقة واللاحقة وأن يبحث عن الموضوع نفسه في مواضع أخرى من القران.
إن كتاب الله ثابت وصالح ليوم يبعثون أما الانسان فيتغير علمه وثقافته وأدواته وأسئلته ولهذا فان الجيل الحاضر والقادم لديه أدوات معرفية جديدة ويكتشف في النص آفاقاً ومعاني لم تكن ظاهرة للإسلاف دون أن يعني ذلك أن القران تغيّر الذكاء الاصطناعي لا يفسر القران بدل الانسان فالمستقبل ليس أن نقول دعو الذكاء الاصطناعي يفسر القران بل أن نقول استخدموه لقراءة أوسع ومقارنة أدق وأسئلة أعمق وتدبراً أكثر وعياً فالآلة لا تملك تجربة الانسان الوجودية ولا مسؤوليته الأخلاقية ولا قلبه الذي يتفاعل مع النص فالأداة مهما بلغت قوتها لا تغني عن الانسان – وأقترح مشروع المصحف الذكي للتدبر حيث يدخل القارئ إسم المفهوم الذي يريد دراسته وتدبره فتظهر أمامه الآيات المتعلقة بالموضوع الكلمات القرانية ذات الصلة – السياقات المختلفة – الآيات المتشابهة موضوعياً.
أقوال المفسرين عبر العصور – نقاط الاتفاق والاختلاف – الدراسات اللغوية الحديثة – الأسئلة المقترحة للتدبر – والتنبيه بوضوح إلى ما هو نص قراني وما هو تفسير بشري وما هو استنتاج آلي – التطبيق العملي للتدبر القرآني بالذكاء الاصطناعي وعند مشاركته في التدبر القرآني فلا ينبغي أن تكون مهمته إعادة إنتاج التفاسير القديمة بلغة حديثة وإنما مساعدتنا على بناء قراءة متعددة المراحل تبدأ من النص القرآني نفسه – وإقتراح آخر حيث لو يتم إدخال التدبر القرآني مع مادة القران في المدارس والجامعات ستكون خطوة مباركة الى الامام للفهم مقروناً مع الحفظ – الخط الأحمر يجب أن لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مفسر معصوم والمنهج الأفضل هو لا تقدس الآلة ولا تسقط التراث ولا تغلق باب العقل – وهنا أطرح بعض الأمثلة في تدبر الآيات مستخدماً الذكاء الاصطناعي للمساعدة في قوله تعالى – أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها – فالآية لا تكتفي بالدعوة الى قراءة القران فقط وإنما تستخدم فعل يتدبرون حيث يحمل معنى النظر في عواقب الامر ونتائجه والتأمل في الكلام وما وراء ظاهره المباشر ولماذا لم تقل الآية أفلا يقرأون القران وهناك فرق بين القراءة بوصفها عملية نطق أو إطلاع وبين التدبر بوصفه عملية تفكير وتأمل – مثال آخر – إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب.
فقد تناولت التفاسير هذه الآية على القدرة والحكمة الربانية والعلم الحديث لا يناقض هذا المبدأ بل يمنح الانسان أدوات أوسع لرؤية تعقيد الكون فالعلم يوسع مجال النظر والقران يوجه الانسان الى التفكر في آيات الكون – أيضا مثال في التدبر قال تعالى ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين – لقد تعددت المعالجات التفسيرية حول طبيعة الاختلاف وأسبابه ومجالاته ولكن الذكاء الاصطناعي يستطيع جمع الآيات الاخرى التي تتحدث عن الاختلاف – المشيئة – الناس – الهدى – الضلال – الحكم بين الناس ثم نطرح سؤالا تدبرياً هل الاختلاف البشري مجرد مشكلة ينبغي القضاء عليها أم أنه جزء من طبيعة الاجتماع الانساني وهذا السؤال يفتح باباً مهماً للتفكير في علاقة الدين بالمجتمع وهنا نتدبر إذا كان الاختلاف حاضراً في القران بوصفه واقعاً بشرياً فإن محاولة فرض التطابق الكامل بين الناس في الافكار والاجتهادات قد تكون أمراً يتجاوز طبيعة الانسان وهنا يصبح المطلوب ليس إلغاء الاختلاف وإنما تعلم إدارته بالعدل والحوار والمعرفة – أيضاً آية لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.
هنا تظهر قوة المنهج المقارن يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبحث عن جميع الأيات التي تتحدث عن الاكراه – الايمان – الاختيار – الهدى – المشيئة الدعوة – الحساب ثم يضعها أمام الباحث بدل أن يبدأ الباحث والمتدبر من حكم مسبق يبدأ من شبكة النصوص والسؤال التدبري إذا كان الايمان مرتبطاً بالاقتناع فهل يمكن أن ينتج الإكراه إيماناً حقيقياً وعند التأمل فالآية تشير الى أن الرشد قد تبين من الغي ثم ننفي الاكراه في الدين فالقناعة الحقيقية لا تقوم على إجبار الانسان على الاعتقاد وإنما على قدرته على الاختيار بعد البيان – الخاتمة الذكاء الاصطناعي يفتح لنا آفاقاً جديدة لكي نتدبر القران بعقول معاصرة فالقران لا يحتاج الى ذكاء إصطناعي ليكون عظيماً وإنما يحتاج الانسان الى أدوات تساعده على رؤية عظمة كتاب الله بصورة أعمق وأوسع.
للتواصل مع الكاتب 0554231499


