التقاعد المميت.
-الخطأ وارد، والوقوع فيه أمر بشري، لكن الرجوع عنه فضيلة لا تنتقص من قدر المشرّع، بل تزيده احترامًا وتقديرًا؛ فالرجوع عن الخطأ خيرٌ من الإصرار عليه والاستمرار فيه.
-لم أجد قرارًا مجحفًا وغير منصف مثل إحالة الموظف إلى التقاعد عند سن (60) عامًا. والمشكلة الأكبر أن كثيرًا من المتقاعدين يغادرون مقاعد العمل وهم في قمة عطائهم، وفي أوج خبراتهم وتراكم تجاربهم والخاسر الأول من ذلك هو الوطن، الذي يفقد نخبة من أبنائه ممن أفنوا سنوات عمرهم في العمل والعطاء.
-ولا أعرف على وجه الدقة ما المبررات التي بُني عليها هذا القرار، وحتى إن كانت هناك مبررات في وقت سابق، فإن تغير الظروف وتطور احتياجات سوق العمل يجعلان إعادة النظر فيه أمرًا منطقيًا وضروريًا فالتمديد إلى سن 65 أو 70 عامًا، لمن يملك القدرة الصحية والمهنية على الاستمرار، قد يكون أكثر نفعًا وأجدى للوطن والمجتمع.
-كما أن النظرة الحديثة إلى مراحل العمر لم تعد تعتبر بلوغ الستين نهايةً للعطاء، بل إن الإنسان في هذه المرحلة يمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرة والمعرفة والنضج والقدرة على اتخاذ القرار فلماذا نُحيل أصحاب هذه الخبرات إلى التقاعد وهم في قمة عطائهم، ونترك خبراتهم تتوارى خلف أبواب المنازل بدل أن تبقى رافدًا للعمل والتنمية؟
-نحن نحرص على الشباب، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان؛ نُعدّهم ونؤهلهم، وتنفق الدولة الكثير على تعليمهم وتدريبهم، وهذا واجب وطني، لكن هل يكون الحل بإقصاء أصحاب الخبرة عندما يصلون إلى مرحلة النضج المهني؟ أليس من الممكن الجمع بين الأمرين: فتح المجال للشباب، والاستفادة في الوقت نفسه من خبرات الكفاءات؟
-أي عقل يقبل استمرار نظام أثبتت التجربة أنه بحاجة إلى مراجعة؟ ألم يأنِ الأوان لإعادة النظر في نظام التقاعد، وإيجاد صيغة أكثر مرونة وعدلًا، تحفظ حق الشباب في الحصول على الفرص، وفي الوقت نفسه لا تحرم الوطن من خبرات رجاله ونسائه القادرين على مواصلة العطاء؟
-إن كثيرًا من قادة العالم تجاوزوا سن الثمانين، ومع ذلك ما زالوا يمارسون مسؤولياتهم ويشاركون في صناعة القرار فالعمر وحده لا يمكن أن يكون مقياسًا عادلًا لقدرة الإنسان على العطاء، ما دام يتمتع بالصحة والكفاءة والرغبة في العمل.
-الرجوع عن الخطأ فضيلة، ومراجعة الأنظمة وتصحيحها ليست ضعفًا، بل شجاعة ومسؤولية. ونظام التقاعد بحاجة إلى مراجعة جادة وشجاعة، تضع مصلحة الوطن أولًا، وتحافظ على خبراته وكفاءاته، وتمنح الشباب فرصهم دون أن نخسر أصحاب التجارب والخبرات.
-فالوطن الذي أنفق على أبنائه سنوات طويلة ليصنع منهم خبرات وكفاءات، لا ينبغي أن يتخلى عنهم لمجرد بلوغهم سنًا محددة، ما داموا قادرين على العطاء.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


