قبل أشهر قليلة رحل أبي إلى جوار ربه وغاب ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد “أب”… بل كان الموجه والمعلم والمربي وكان الحكمة حين تختلط علي الطرق والقوة حين تضعف عزيمتي واليد التي أشعر بوجودها وإن لم تمتد كلما عصفت بي نوائب الحياة.
كان أبي شيئا من الطمأنينة التي لا نعرف قيمتها كاملة إلا حين فقدناها وكان ظلا ألوذ به من شمس الأيام القاسية وسندا لا أدرك عمق اتكائي عليه إلا بعدما انكسر في داخلي شيء لم أجد له جبرا.
برحيله شعرت وكأن “الظهر” قد انحنى إلى غير رجعة وكأن عمودا خفيا كان يحمل سقف حياتي قد هوى فجأة فصار كل شيء أكثر ثقلا وصارت مواجهة الأيام تحتاج إلى قوة لم أعد أعرف من أين أستمدها.
أدركت يومها أن الإنسان مهما بلغ من العمر والقوة يظل طفلا في داخله حين يتعلق الأمر بأبيه وأن بعض الغياب لا يعوضه أحد ولا تملأ فراغه كل كلمات المواساة.
والان باغتني الفقد من جديد ورحلت “أمي” الصدر الحنون والوعاء الحاني والام الرؤم والنهر المتدفق وانتقلت روحها الطاهرة إلى بارئها لتكتمل في القلب فصول وجع لم أكن أتصور أن تتوالى بهذه السرعة.
نعم… كانت أمي منذ خمس سنوات شبه غائبة عن تفاصيل الحياة وقد أخذ منها المرض وانهكها الزمن كثيرا ليبعثر حضورها الذي ألفناه وأنسها الذي عهدناه وطيبتها التي عشناها.. لكن وجودها رغم كل شيء كان حياة أخرى تسكننا… كان يكفيني أن أعرف أنها ما زالت هنا على هذه الأرض تتنفس تحت هذه السماء.. وأن في مكان ما من هذا العالم أما أتنفس على إيقاع وجودها وأتشبث ببصيص أمل لا أستطيع تفسيره لكنه كان يمنحني سببا إضافيا للاستمرار.
كم هو غريب أمر الأمهات! قد يغيب صوتهن وقد تبهت ملامح تواصلهن مع الحياة لكن حضورهن يظل في أعماقنا أكبر من الحضور نفسه… إنهن الطمأنينة التي لا تحتاج إلى حديث والدعاء الذي نظن أنه يرافقنا حتى حين لا نسمعه والجذر الذي نظل واقفين بفضله حتى عندما تتعرى أرواحنا أمام رياح الفقد.
وحين رحلت أمي.. لم أفقد أما فحسب بل فقدت آخر نافذة كنت أطل منها على شيء من طفولتي.. وآخر خيط يربطني بذلك الزمن الذي كان فيه للأيام معنى مختلف.. وللبيت دفء مختلف.. وللحياة وجه أقل قسوة.
وهناك خلف الكواليس أعباء أخرى تجعل الأيام التي تحتاج فيها الروح إلى الراحة أكثر مشقة على الجسد وكأنني وسط كل هذا الركام و ما أعيشه من فقد وقلق وانكسار مطالب بأن أقاوم في أكثر من جبهة.. جبهة الحزن الذي يسكن القلب وجبهة الحياة التي لا تتوقف عن مطالبتنا بالصبر والتحمل.
وبين هذا كله أحاول أن أبدو متماسكا وأن أستجمع ما بقي في داخلي من قوة أن تقف بقلب مفجوع أمام وداع أمك بينما جزء آخر من قلبك معلق بخوف وأنت تحاول أن تبدو قويا من أجل من تحب… أن تحمل في صدرك حزنا على من رحلوا ووجعا وبابا مفتوحا على المجهول وأن تتساءل بصمت:
هل بقي في القلب متسع لكل هذا؟ لكن بالمقابل الحياة لا تنتظر حتى نلتقط أنفاسنا ولا تمنحنا دائما الوقت الكافي لترميم ما تهدم ..!
سيبقى أبي في كل موقف أستحضر فيه حكمته وفي كل قرار أبحث فيه عن صوته وفي كل مرة أحتاج فيها إلى القوة التي علمني معناها دون أن يشرحها… وستبقى أمي في دعائي وفي تفاصيل البيت وفي حنيني الذي لا يشيخ وفي كل نبضة امتنان لسنوات وجودها بيننا.
لقد علمني هذا العام وإن كان درسه موجعا أن الإنسان لا يملك من الحياة إلا لحظته وأن الذين نحبهم ليسوا وعودا مؤجلة بل نعم تستحق أن نغمرها بالحب ما دام في العمر بقية وعلمني أيضا أن القوة ليست ألا نبكي ولا أن نتظاهر بأننا بخير بل أن نعترف بضعفنا وأن نستعين بالله وأن نواصل المسير ولو بخطوات مرتجفة وأن نمنح أنفسنا حق التعب حين تثقل الأحمال دون أن نفقد حسن الظن بالله.
وفي هذا يقول ابن زيدون:
أنَّ الزمانَ الذي ما زال يضحكنا
أُنسًا بقربهمُ قد عاد يبكينا.
وقد نكون وما يُخشى تفرُّقنا.
فاليوم نحن وما يُرجى تلاقينا.
للتواصل مع الكاتب [email protected]


