ليست كل الأرض ترابًا صامتًا بل ثمة مرافئ تختزن من عبر الوجود ما تعجز عن حمله بطون السطور فإذا مر بها قطار التاريخ مرة أخرى انفجرت بصوت هادر يبصره الكون بملء عينه.
وعلى مشارف العاصمة المقدسة مكة المكرمة يقف وادي المغمس شاهدًا عتيدًا وطودًا راسخًا على فصل من أعجب فصول الوجود الإنساني يوم أقبل أبرهة بجيشه العاتي يستعرض الخفة والقوة الفانية مستندًا إلى ضخامة فيله ليهدم بيتًا طاهرًا رفع الله قدره في عليين حلت بأبرهة عاصفة الغرور فظن أن أسباب الأرض القياسية كافية لبلوغ مأربه فما كان بينه وبين انكسار كبريائه المكابر إلا أن يأذن رب السماوات لطير أبابيل تحمل حجارة من سجيل لتنقلب الموازين بلمحة عين ويتحول الجيش الطاغي الذي أراد جعل الكعبة ركامًا إلى عصف مأكول وركام تذروه الرياح.
ومضت القرون وتوالت السنون فني أبرهة ومات فيله وبقي البيت الشامخ مرآة باصرة للحق وبقي المغمس يحمل في ذاكرة المكان قصة اعتداء عابر تحول إلى عبرة تتلوها الأمم وفي يوم السبت الرابع والعشرين من أكتوبر عام2026 م استيقظ العالم على بيان رسمي يعلن اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما الميليشيا باتجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة لتتساقط شظايا المقذوف المعترض في ذات الموانئ القديمة في وادي المغمس!
يا الله! ما أبلغ هذا العناق الوجداني بين التاريخ والواقع وما أعجب هذه الموافقة التي تنزل على القلوب كبرد اليقين الباصر! فبين أقدام الفيلة القديمة وأجنحة الصواريخ الحديثة نحو خمسة عشر قرنًا تبدلت فيها الأدوات والشكليات لكن حقيقة عجز الإنسان أمام سلطان الرحمن بقيت ثابتة لا تتغير لقد تطور السلاح الفاني وتأخرت البصيرة البشرية عن الاتعاظ بمصارع الغرور وكأن آلة الحرب المعاصرة أغرت أصحابها بما أغرت به أبرهة أفياله الطينية العابرة.
إننا لا نخلط المعجزات الربانية بالسنن الكونية ولا نجزم بأسرار غيب لم يخبرنا بها الوحي لكن حسبنا من الوعي والاتزان أن نرى في المغمس مشهدًا جديدًا يوقظ الضمائر الميتة إلى مقاصد الإنصاف ويؤكد أن القوة الاستثنائية مهما بلغت لا تستقل عن المشيئة الإلهية العظمى وإذا كان الله قد أهلك الطغاة الأقدمين بطير أبابيل فقد وفق اليوم رجالاً نذروا أرواحهم لحماية الحرمين فاعترضوا الصواريخ بما هيأ لهم من كفاءة نظيفة واستعداد مشهود فالتوكل الصادق ليس انتظارًا بأيد لا تعمل بل هو أخذ بأسباب القوة العلية والقلوب معلقة برب القوة المستدامة.
إن مكة ليست رصيفًا عابرًا أو مدينة كسائر المدن بل هي البلد الذي أقسم الله بوقاره وجعل حرمته عقيدة نبصرها بالقلوب الباصرة فكيف يجترئ من ينتسب للإسلام أن يوجه نصل سلاحه نحو مهوى الأفئدة وقبلة الأنام؟! إن من يحفظ سورة الفيل حروفًا ويفوته تطبيق اللين وحسن الخلق والتعظيم في مرافئ الحرم لم يدرك من السورة إلا قشورًا باهتة لقد عاد اسم المغمس لأسماع البشر اليوم لا في بطون الكتب الصفراء بل في شظايا حديد معترض ليذكرنا الكيان المعماري للمكان بأن التاريخ لا يعود بأشخاصه ولكنه يعود بحماقاته وأن السعيد من اتعظ بغيره قبل أن يصير هو نفسه خاطرة مبكية وعبرة لمن بعده.
فيا من يغتر بحبل قوته العابرة تأمل ما بقي من صرح أبرهة وجيشه المكلوم ويا أهل هذا الوطن المبارك إن نعمة الأمن طوق يستوجب الشكر الطاهر وحماية حمى البيت شرف باذخ ومسؤولية جسيمة وحق على سائر القلوب أن تلهج بالدعاء للمرابطين الساهرين لتحيا البلاد آمنة مطمئنة سيبقى المغمس بوصلة ترشد التائهين وسط ضباب الأيام وتطرح على جدار الوقت سؤالاً تهتز له الأركان: كم يحتاج الإنسان من الأحقاب ليتعلم أن الفيل وإن عظم والصاروخ وإن بلغ مدارات المدى لن يخرجا أبدًا عن سلطان الملك الحق الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.
للتواصل مع الكاتب [email protected]


