كذّابٌ أَشِر!.
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾
-ما أقسى هذا الادعاء، وما أشدّ ما ينطوي عليه من كِبْرٍ وغرور، وما أفضحه من جحودٍ للنعمة وتنصّلٍ من فضل المنعم! أن ينظر المرء إلى ماله، ويُعجب بذكائه، ويغترّ بفطنته، ثم ينسب إلى نفسه ما لم يكن له أن يناله لولا فضل الله وتوفيقه، وكأنما صنع لنفسه أسباب وجوده، وخلق بقدرته مواهبه، واستحقّ بجهده وحده كل ما أُوتي! كذبتَ وربِّ الكعبة؛ فما أنت إلا عبدٌ مُنعَمٌ عليه، وما ملكتَ إلا ما أقدرك الله على امتلاكه.
-يا هذا، ما أُوتيت من مالٍ وجاهٍ وعقلٍ وفطنةٍ ليس دليلًا على استحقاقك المطلق، ولا برهانًا على تفوّقك على عباد الله؛ بل هي نعمٌ ساقها الله إليك، وأسبابٌ يسّرها لك، وابتلاءٌ يختبر به شكرك وتواضعك وإحسانك. فإن سعيتَ واجتهدتَ، فمن الذي وهبك العقل؟ ومن الذي رزقك الصحة؟ ومن الذي هيّأ لك الفرصة؟ ومن الذي صرف عنك من العوائق ما صرف؟ إن جهدك سبب، لكنه ليس خالق الأسباب، وإن ذكاءك نعمة، لكنه ليس من صنعك، وإن بلغتَ ما بلغتَ، فلن تخرج بإنجازك عن سلطان فضل الله ومشيئته.
-ورُبَّ غنيٍّ ورث المال ولم يصنع أسباب جمعه، ورُبَّ آخر اجتهد فأصاب، وثالثٍ بذل وسعى فلم يُفتح له من أبواب الرزق ما فُتح لغيره. فبأيّ حقٍّ تجعل ما أُعطيتَ ميزانًا لكرامتك، وما حُرمه غيرك دليلًا على قصوره؟ أأنت الذي قسمت الأرزاق حتى تتعالى على من ضاقت بهم أسباب الدنيا؟ أم أنت الذي خلقت مواهبك حتى تنسبها إلى نفسك وتنسى واهبها؟
-ومتى يفقه بعض الأغنياء المتعجرفين أن المال ليس رخصةً للاستعلاء، ولا الغنى شهادةً بالتفوّق، ولا الفقر دليلًا على الدونية؟ ومتى يدركون أن في أموالهم حقًّا معلومًا، وأن الزكاة ليست مِنّةً يتفضّلون بها، بل فريضةٌ يؤدّونها، وأن الصدقة ليست انتقاصًا من أموالهم، بل بابٌ من أبواب البرّ والإحسان؟
-بل تأمّل، أيها المغترّ بمالك: لعلّ فقيرًا تمدّ إليه يدك اليوم، يكون بعد فضل الله سببًا في نجاتك غدًا؛ تعطيه مما رزقك الله، فيكون لك عند الله أجرٌ لا يبلغه مالك، وذخرٌ لا تبلغه خزائنك. أنت تنتفع بدعائه، وبالأجر المترتّب على إحسانك، وبما ترجوه من رحمة ربك؛ فلا تظنّ أنك وحدك صاحب الفضل، ولا تجعل حاجته إليك تنسيك حاجتك إلى ثواب الله.
أفلا تعقلون؟
-إن المال يختبر صاحبه كما يختبره الفقر، وإن النعمة قد تكون بابًا إلى الشكر، وقد تكون استدراجًا إلى الغرور، وإن أخطر ما يصيب الغني ليس أن يزداد ماله، بل أن يزداد إعجابه بنفسه حتى يرى فضل الله ثمرةً خالصةً لعبقريته، ويرى المحتاج دونه منزلةً، وينسى أن الذي أعطاه قادرٌ على أن يسلبه في طرفة عين.
-فاخفض جناحك لعباد الله، واشكر من أنعم عليك، وأدِّ الحقوق إلى أهلها، واعلم أن ما في يدك عاريةٌ مستردّة، وأن ما تقدّمه ابتغاء وجه الله هو الذي ترجوه باقيًا عنده.
-فلا تغترّ بما تملك؛ فإنما أنت أمينٌ على ما رُزقت، وممتحَنٌ فيما أُعطيت، وموقوفٌ بين يدي من وهبك النعمة، ليسألك: ماذا صنعتَ بفضلي عليك؟
للتواصل مع الكاتب 0505300081


