الخروج المرّ !
-أقول لكل مسؤول يتولى منصبًا في مؤسسات الدولة: إن الاختبار الحقيقي لمكانتك، والميزان الصادق لقيمتك، لا يكونان وأنت جالس على كرسي المسؤولية، بل بعد أن تغادره وتترجل عن منصبك. فهناك فقط تنكشف حقيقة ما زرعته في نفوس الناس، ويتجلى رصيدك الحقيقي من المحبة والاحترام والتقدير.
-فمن اتقى الله في مسؤولياته، وجعل خدمة الوطن والمواطن أمانة لا امتيازًا، وقدّم مصالح الناس على مصالحه الشخصية، وفتح أبوابه للمراجعين وأصحاب الحاجات، واستقبلهم بوجه بشوش وأخلاق رفيعة، وتعامل معهم بإنسانية وتواضع، فليبشر بأن ما سيجده بعد التقاعد من محبة وتقدير سيكون أعظم مما حظي به أيام وجوده على كرسي المسؤولية. ذلك أن المحبة الصادقة لا تُشترى بمنصب، ولا تُفرض بسلطة، ولا تُمنح مقابل مصلحة، وإنما تُكتسب بالمواقف النبيلة والأعمال الصادقة.
-أما المسؤول الإمَّعة المغرور، الذي اتخذ من منصبه سورًا يفصله عن الناس، وأحاط نفسه بالسكرتارية والحراس والأبواب الموصدة، وجعل الوصول إليه ضربًا من المشقة، وكلما قصده صاحب حاجة أجابه ببرود: «بعدين»، وكأن مصالح المواطنين تنتظر مزاجه ووقته! ذلك الذي سخّر المنصب لخدمة نفسه وأسرته وأصدقائه، واتخذ من الكرسي وسيلة لتحقيق المصالح ومسايرة أصحاب النفوذ والتجار، معتقدًا أن المنصب ملك شخصي، وأن الناس خُلقوا لخدمته، فليبشر بخروج مرّ، ونهاية لا تليق بمن توهّم أن الهيبة تُصنع بالحراس، وأن المكانة تُفرض بالمنصب.
-فما إن يغادر كرسيه حتى تنفضّ من حوله الوجوه التي كانت تتزاحم على بابه، وتغيب الأصوات التي كانت تتملق حضوره، وتُغلق في وجهه الأبواب التي ظنها ستظل مفتوحة إلى الأبد. ولن يجد من الناس ذلك الاستقبال الذي اعتاده، بل قد يواجه التجاهل والنفور، وربما وجد في وجوههم ما لم يكن يتوقعه من جفاء وفتور.
-وهنا تظهر الحقيقة التي غابت عنه طويلًا: لقد كان الناس يحترمون المنصب لا صاحبه، ويطرقون بابه لحاجاتهم لا حبًا فيه، وحين سقطت الصفة الوظيفية سقط معها كل احترام زائف.
-إن المنصب عابر، والكرسي لا يدوم، والسلطة مهما طال أمدها إلى زوال، أما المواقف الطيبة والأيادي البيضاء والسيرة الحسنة فتبقى في ذاكرة الناس.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


