(قوقل خراب البيوت والمجالس!)
* من الأمور التي تستحق الاستغراب والإنكار والتحذير، ذلك الاعتماد المفرط على منصة قوقل في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بشؤون الأفراد والمجتمعات، ولا سيما في المسائل الدينية والقضايا الرسمية للدولة؛ إذ أصبحت نتائج هذه المنصة ميدانًا تختلط فيه الحقائق بالأباطيل، والعلم بالأوهام، والمعلومات الموثوقة بالأكاذيب والدجل والخرافات.
* فبمجرد أن تبحث عن مسألة أو تستفسر عن قضية، تجد أمامك خليطًا من أقوال العالم والجاهل، والتقي والفاجر، والمتخصص والدجال؛ إذ تتجاور أقوال أهل العلم مع ترهات الجهال، وتتساوى في ظاهر العرض كتابات المحققين مع افتراءات المتقولين، دون أن يكون ظهورها في نتائج البحث دليلًا على صحتها أو موثوقيتها.
* والمصيبة الأعظم أن بعض الناس لا يكتفي بمجرد الاطلاع على تلك المعلومات، بل يتلقّاها على أنها حقائق مسلّم بها، ثم يبني عليها آراءه، ويؤسس عليها مواقفه، ويجادل بها غيره، وربما استشهد بها واستند إليها في أحكامه، دون أن يتكلف عناء التحقق من مصدرها أو معرفة قائلها أو التأكد من صحتها؛ وكأن مجرد ظهور المعلومة في قوقل يمنحها صكّ المصداقية والاعتماد!
* وإذا كان لا بد من الاستعانة بقوقل، فليكن ذلك بوصفه وسيلةً للوصول إلى المصادر، لا مرجعًا يُسلَّم بكل ما يعرضه؛ فالواجب الرجوع إلى الأصول والمراجع المعتمدة. ففي المسائل الدينية يُرجع إلى المواقع والحسابات الرسمية للعلماء والجهات الشرعية الموثوقة والمعتمدة، وفي الشؤون الرسمية إلى المواقع الحكومية المعتمدة للوزارات والإدارات المختصة، وفي القضايا الفكرية والثقافية إلى أهل العلم والاختصاص وأصحاب الشأن.
* والأشد غرابةً وسخريةً أن بعض المجالس، ما إن يقع فيها خلاف أو يتباين فيها الرأي، حتى تتعطل العقول، ويُهجر النقاش، وتمتد الأيدي إلى الهواتف؛ فيفتح كل واحد منهم قوقل بحثًا عن إجابة تنصر رأيه أو تدحض رأي مخالفه، وكأن محرك البحث أصبح مرجعًا علميًّا، وحَكَمًا شرعيًّا، وفاصلًا في كل نزاع! بدلًا من الرجوع إلى أهل الاختصاص، والاحتكام إلى الدليل، وإعمال العقل والمنطق.
* فاتقوا الله في عقولكم، وتثبّتوا فيما تقرؤون وتنقلون، وتحرّوا مصادر المعلومات قبل تصديقها أو الاستشهاد بها؛ فالعاقل لا ينساق خلف كل ما يُعرض عليه، ولا يجعل من نتائج البحث ميزانًا للحق والباطل.
-فليس كل ما تجده في قوقل علمًا، وليس كل ما يظهر أمامك حقيقة، وليس كل خلاف يُحسم ببحثٍ عابر؛ وإنما تُعرف الحقائق بأدلتها، وتُوزن الأقوال بمصادرها، ويُرجع في كل شأن إلى أهله وأصحاب الاختصاص.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


