أكد فضيلة الشيخ الدكتور فيصل غزاوي في خطبة الجمعة اليوم أنه من الواجب علينا أن نُحيي عظمة الله في قلوبنا بأن نتعرف عليه حق معرفته وسبيل ذلك أن نتدبر القرآن الكريم حيث أمّ المسلمين لصلاة الجمعة في المسجد الحرام – واستهل فضيلته خطبته الأولى عن تعظيم الله.
فقال : إن الله تعالى هو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته وتعظيم الله عز وجل مِن أجلّ العبادات القلبية، وهو الذي يتعين ترسيخه في القلوب، وتزكيةُ النفوس به، وكلما كانت المعرفة بالله أتم والعلم به أكمل؛ كانت الخشية له أعظم وأكثر، قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّما أنا أعلمُكُم باللَّهِ وأخشاكم له) وقد ذم الله سبحانه أولئك الذين لم يوقروه حق توقيره فقال عز من قائل:(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) فهم جاهلون بربهم العظيم القدير، ما عرفوه حق معرفته وما عظموه حق تعظيمه، وما أعطوه ما يستحقه سبحانه من تقديس وإجلال وتكريم وتنزيه.
وتحدث فضيلته عن خطورة الاعتقاد في ذات الله فقال: من أخطر ما يفتك بقلب العبد ويورده المهالك أن يعتقد الإنسان في ذات الله تعالى أو صفاتِه أو أفعاله خلافَ الحق، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام وهو يخاطب قومه الذين اتخذوا الأصنام آلهة: (فما ظنكم برب العالمين (أي إن اعتقادكم في جانب رب العالمين باطل وجهل منكَر.
وقد يكون المرء ممن يسيء الظن بربه وهو لا يشعر قال ابن القيم رحمه الله: ” فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السَّوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحق، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به، ولو فتشت مَن فتشته، لرأيت عنده تعتباً على القدر وملامةً له، واقتراحاً عليه خلافَ ما جرى به ، وأنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك.
ومن صور هذه المسألة أيها الإخوة التسخط والاعتراض على الأقدار فهي من أخطر أمراض القلوب، ومن مظاهر ذلك قول بعضهم إذا أصيب بمصيبة: ماذا فعلتُ يا ربي؟ أو أنا لا أستحق ذلك، أو عندما يرى على أحد نعمة فيحسُده عليها قائلا: لماذا فلان عنده كذا وكذا وأنا ما عندي شيء؟! وكذلك ما يقوله بعضهم إذا أصيب شخص بمصيبة: فلان مسكين لا يستحق ما جرى له! أولا يستأهل هذه العقوبة، فمثل تلك الأقوال المنكرة مما يكثر على الألسنة، وذلك من الاعتراض على قضاء الله وقدره، ومن الجهل بحكمته سبحانه فلا يجوز إطلاقها، ولا أن نتكلم بكلمة تسخط ربنا وتحبط عملنا، بل علينا أن نَرضى ونُسلم لأمر الله وحُكمه وتدبيره وأن نحسن الظن به ونفوض الأمر إليه.
واختتم فضيلته خطبته الأولى بالتحذير من مسألة التسوية بين الأخيار والفجار فقال: ومن المسائل التي ضل فيها قوم التسوية بين الأخيار والفجار، والأبرار والأشرار، وهم بذلك ينسبون إلى الله عز وجل ما لا يليق بجلاله ويتنافى مع عظمته وعدله وكماله قال ابن القيم رحمه الله: “وَقد أنكر تَعَالَى على من نسب إِلَى حكمته التَّسْوِيَةَ بَين الْمُخْتَلِفين كالتسوية بَين الأبرار والفجار فَقَالَ تَعَالَى (أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار) وَقَالَ تَعَالَى (أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون).. وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه وأنه حُكْمٌ سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله وَوُقُوع أفعاله كلها على السداد والصواب وَالحكمة فلا يليق به أن يجعل البرَّ كالفاجر ولا المحسنَ كالمسيء ولا المؤمنَ كالمفسد في الأرض فدلَّ على أَن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله” ا.هـ رحمه الله. فإذا كان الله العليم الخبير قد فرق بين هؤلاء وهؤلاء فكيف يسوي الجاهلون بينهم، ساء الحكم حكمهم قال سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) وقال عز وجل (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) فإذا كان الأمر كذلك فما ينبني على هذا التفريق من الأحكام هو من المحكمات الثابتة والأسس الراسخة قال سبحانه (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) وفي الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي في الناس : ” إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ” ، وفي لفظ : ” مؤمنة ” .
وتحدث فضيلته في خطبته الثانية عن قوة معرفة الله فقال: عند التأمل في سر إحسان السلف وكثرة عبادتهم لربهم، وجهادهم أنفسهم في ذات الله، وتضحيتهم من أجله، وبذلهم للغالي والنفيس في سبيله، نجد أن سبب ذلك هو قوة معرفتهم بالله، وتعظيمهم له حق التعظيم.
فلو عرفنا الله حق معرفته لتغيرت أحوالنا، ولحسنت فعالنا، لكن لما عظم الجهل بالله من قبل كثير منا، قل خوفنا منه، وضعف رجاؤنا فيه، وجعلناه أهون الناظرين إلينا؛ فلا غرابة حينئذ مِن تعدِّي حدودِ الله والاستهانة بمعاصيه وعقوباته، والجرأة على ارتكاب الكبائر وانتهاك حرماته.
وعندما لا يعرف العبد ربه حقاً ولا يستشعر عظمة الخالق يَبْعُد عن منهجه، ويتقاعس عن عبادته، ويتكاسل عن طاعته، ويترك أوامره، ويرتكب معاصيَه، كل هذا لأن القلوب ما عرفت الله حق معرفته، وإلا فهل يعقل أن يجترح المرء السيئات أو يقع في الفواحش والموبقات وهو يعرف ربه معرفة يقينية، ويعلمُ أن الرب جل جلاله يراه ويسمعه، ويطلع على جميع أحواله، ويعلم كل أسراره، ولا يغيب عن أمره منه شيء. كيف يمكن أن يعصيَه إذا كان يعرفه بهذه المعرفة؟! بل هذا المستخف بالمعاصي جاهل بمقام الله وقدره، وجاهل بنظر الله ومراقبته، قد اغتر بحلم الله وإملائه ونسي أن إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين فلِمعصية واحدة وقعت منه أصبح شيطانا رجيما استحقَّ لعنةَ الأبد، وعذابَ الخُلد، وآدم عليه السلام الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأَسجدَ له ملائكتَه، بذنب واحد أُخرج من الجنة ونعيمها ولولا أن تاب الله عليه لكان من الهالكين.
من الواجب علينا أن نُحيي عظمة الله في قلوبنا بأن نتعرف عليه حق معرفته وسبيل ذلك أن نتدبر القرآن الكريم، ونكثر من تلاوته، ونتمعن في آياته، ونقف عند معانيه ونتفاعل معه تفاعلاً حقيقياً بكل مشاعرنا فتؤثرَ آياتُه في نفوسنا، ونتعرفَ من خلال ذلك على ربنا، وكذلك نتعرف عليه بالنظر إلى مخلوقاته في هذا الكون (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) كما نتعرف عليه سبحانه بالنظر إلى أنفسنا (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون).
وفي المدينة المنورة أم المصلين – فضيلة الشيخ حسين آل الشيخ في خطبة الجمعة اليوم وقال – من العبر في مخلوقات الله تعاقب الفصول من شتاء وصيف وربيع وخريف ففي شدة الحر فليتذكر العبد حر جهنم وليفقه حقيقة هذه الدنيا – فتحدث في خطبته الأولى عن النظر في آيات الله فقال : إن القرآن الكريم مملوء بالآيات الكريمة الآمرة بالنظر إلى آيات الله الكونية من مخلوقاته العظيمة وإلى الدعوة للتفكر في ذلك لما في ذلك من العبر الظاهره والعظات البليغة قال سبحانه:{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ} إن في ذلك لآيات عظيمة ودلائل باهره على عظمة الخالق عز وجل وعلى وحدانيته وأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فالتأمل في مخلوقات الله والناظر في عجيب صنعه سبحانه يعظم يقينه بربه عز شأنه ويزداد إيمانه وثباته فهو عز وجل المتفرد بالخلق والتدبير والتصريف والملكوت وكمال القدرة وتمام الحكمة مما هو دليل ظاهر لذوي العقول الصحيحة باستحقاقه وحده بالعبادة والاستسلام التام له والانقياد والخضوع لطاعته.
قال تعالى :{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
ثم اختتم فضيلته خطبته الأولى عن تعاقب فصول السنة ومافيها من آيات التفكر فقال: من العبر في مخلوقات الله تعاقب الفصول من شتاء وصيف وربيع وخريف ففي شدة الحر فليتذكر العبد حر جهنم وليفقه حقيقة هذه الدنيا وأنه يجب أن تشغل بكل ما يرضي الله جل وعلا وينجي من سخطه
وعقابه قال الله حكاية عن المنافقين وخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}.
وقد أخرج الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربِ أكل بعضي بعضا، فاذن لها بنفسين. نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير).
فكن أيها المسلم على حذر شديد من يوم الوعيد وأعلم أن الأخرة فيها الشقي والسعيد فكن من أهل التقوى وطاعة المولى.
إن في تعاقب الفصول وتبدل الأحوال لآيات للاعتبار والتذكر بحال هذه الدار وسرعة انقضائها يقول صلى الله عليه وسلم (مالي وللدنيا ما مثلي ومثلل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها) أخرج أحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وتحدث فضيلته في خطبته الثانية عن شكر الله على نعمه فقال : إن الواجب على العباد أن يشكروا الله بقلوبهم وجوارحهم على نعمه العظمى ومننه الكبرى وأن يحمدوه على أفضاله المتكاثرة ونعمه المدراره إذ هيأ لهم في مثل هذه العصور من أسباب الراحة ووسائل دفع أذى الحر مالم يتهيأ لمن كان قبلهم يقول أنس ؛ كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود) رواه البخاري.فما أحوجنا إلى معرفة حقوق خالقنا والقيام بامتثال أوامره واجتناب أسباب سخطه.
قال تعالى{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } فمن قام حق شكر الله توحيدا وطاعة أعذق عليه من نعمه وزاده من فضله وأسعده في حياته وبعد مماته.






