كُلُّ إِنْسَانٍ يَسْعَى فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا أَنْ يَكُونَ ذَا قِيمَةٍ وَرِفْعَةٍ وَقَدْرٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَسْعَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ بَيْنَ أَقْرَانِهِ، وَيَبْذُلُ الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ لِيُصْبِحَ كَذَلِكَ، وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ طَبَائِعَ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ، فَهُوَ الْخَالِقُ لَهَا، وَهُوَ الْعَالِمُ بِأَحْوَالِهَا وَغَايَاتِهَا، وَقَدْ بَيَّنَ لَهَا كُتُبَ نُصْحٍ كَذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، فَبَيَّنَ الْخَالِقُ كَيْفَ تَتَحَصَّلُ عَلَى ذَلِكَ؛ كَيْفَ يَرْفَعُكَ اللهُ، وَيَجْعَلُ لَكَ قِيمَةً وَقَدْرًا وَعُلُوَّ مَنْزِلَةٍ.
{يَرْفَعِ اللَّهُ} فَلَا رِفْعَةَ وَلَا قَدْرَ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَكَ اللهُ، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18]، إِذَا أَرَادَ اللهُ لَكَ الرِّفْعَةَ هَيَّأَ لَكَ الْأَسْبَابَ، وَسَخَّرَ لَكَ الْإِمْكَانِيَّاتِ.
{الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} أَوَّلُ الْأَسْبَابِ لِرِفْعَةِ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- رَبًّا وَمَعْبُودًا بِإِخْلَاصٍ، فَلَا يَعْبُدُ سِوَاهُ، وَلَا يَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَلَا يُصَلِّي إِلَّا لَهُ، وَلَا يَدْعُو إِلَّا هُوَ، فَلَا قِيمَةَ لِلْإِنْسَانِ بِدُونِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، إِيمَانٌ بِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
{وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} الْعِلْمُ أَشْرَفُ مَا يَنَالُهُ الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَا أَشْرَفَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: 3641 وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رَوَاهُ مُسْلِم: 2699].
الْعِلْمُ أَشْرَفُ الْمَطَالِبِ، وَأَسْنَى الْمَرَاتِبِ، وَغَايَةُ الْعُقَلَاءِ، وَدَيْدَنُ النُّبَلَاءِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْجَهْلَ عَدُوُّ الْإِنْسَانِ وَقَائِدَهُ إِلَى الزَّلَلِ وَالْخَطَأِ الْعِلْمُ يَرْفُعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ *** وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ تَـعَـلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا *** وَلَيـْسَ أَخُـو عِـلْمٍ كَـمَـنْ هُـوَ جَاهِلُ.
الْعِلْمُ مَنْ حَصَّلَهُ فَازَ بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنَ الرِّفْعَةِ وَعُلُوِّ الْمَنْصِبِ وَالْقِيمَةِ، وَأَفْضَلُ الْعُلُومِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعُلُومِ، وَفِيهَا كُلُّ خَيْرٍ{دَرَجَاتٍ}، أَيْ: مَنَازِلُ عَالِيَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعُلُوُّ مَرَاتِبَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: «الْإِيمَانُ يَحْمِي مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَالْعِلْمُ يَحْمِي مِنَ الشُّبُهَاتِ»، فَنَالَ الْإِنْسَانُ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.
│


