هي عبارة قد تزعجنا كثيرا إن سمعناها ، أو من أي مصدر تلقيناها ، وقد تؤثر علينا سلبا في الاستمرار في باقي الأمور التي نويناها ، وقد تتوقف تبعا لها الخطط التي خططناها ، وأحيانا قد يكون لها أثرا رجعيا في هدم صروح بنيناها ، وضياع أعمال نحن بالفعل أنجزناها ، فلِم كل هذا الارتباط ؟! ، ولِم كل هذا التأثير؟! ، وما هي الجريمة التي فعلناها؟! ، وماذا تعني تلك العبارة التي بالأعلى كتبناها ؟!.
وعن أي رصيد نتحدث ؟! قد يتبادر إلى ذهن الجميع وليس البعض ، وقد يكون أول ما يَرِدُ على أذهانهم عند القراءة والعرض ، هو ذاك الرصيد المالي الذي نحفظه في البنوك كفرض ، وهو تلك الأموال التي نحرص على الجمع لها والحفظ ، ونسعى جاهدين لرفع نسبتها ونستاء عندما تتعرض للخفض ، فهي المحرك الأساسي لنا ، في كافة شؤون حياتنا ، طولا ذهبنا أو عرض.
فمن شعر بخطر انخفاضها ، أو بدأ التهديد يحوم حول زوالها ، سيشعر حتما بالعجز وربما يودي به للمرض ، لذا كانت المسارعة بتجديدها ، وتأمينها ، وبأي طريقة يسعى لتوفيرها ، وإن لزم الأمر بقرض ، فها هو يبحث عنها بكل مكان ، تحت أي سماء وفوق كل أرض … ، وكل هذا يحدث ، والغاية هي المال ، وكلنا نعلم أن المال إلى زوال ، ولكني لم أكن أقصد هذا من كل ذاك ، وليس المال هو الرصيد الذي يعنيني ، فبوجود من أحبهم حولي ، وقربهم مني سيكفيني الله ، وعن مال الدنيا سيغنيني ، وهذا الحب الذي يجمعني بهم ، والقرب الذي أرجوه معهم ، والأسباب التي تدفعني لهم ، وتجبرني عليهم ، كل ذلك هو الرصيد الذي أقصده ، والإدخار الذي أعنيه.
فأنا أحفظ لهم حبهم ومكانتهم في قلبي ، وأخزنها في خزائنه ، فلا تتعرض وهي وراء قفصي ، لنهب ولا سلب ولاسحب ، وإن كان عليها الطلب ، والكل بها يرغب ، فهو رصيد يتجدد بالمواقف ، ويرتفع مع الأيام ، رصيدٌ غذاؤه الحب ، ومداده الود ، وهما رافداه إلى الأبد ، وليس لنا في قطع مدادهما أي يد ، وليس هناك سقف أعلى لارتفاعهما مهما طال الأمد.
ولكن … ، نحن نستغرب من انتهاء بعض العلاقات التي كانت قائمة على الحب والود ، وانتهاؤها إن لم يكن مستحيلا فهو مستبعد ، وليس لأن أحد الطرفين أن لفضل الآخر يجحد ، ولا لأنه قرر أن يتركه دون ذكر سببٍ ، أو تحديد موعد.
فكيف انتهت ، ونحن نقول: بأن رصيدهم من الحب دوما يتجدد ، وبالمواقف حبهم يتأكد ، هو ذاك فعلا ، ولكن ؛ إن هم صانوا ذلك الحب ، وَرَعَوهُ وراعوه ، ومن ظلمهم أنصفوه ، وكل ما يحتاجه ليبقى أعطوه ، ولكنهم في الحقيقة حرموه ، وبأيديهم قتلوه ، وبإهمالهم بَدّدُّوه ، حتى انتهى واستنفذوه ، دون أن يظهروا حرصا على أن يجددوه.
فنجد هنا حالات انفصال بين زوجين بعد عشرات السنين ، عانوا فيها الأمرَّين لتستمر العلاقة ، وتبقى ، وكانوا في كل مرة يتعرضوا بها لعارض يهددها ، يصرفوه عنها مقابل سحب جزء من هذا الرصيد من الحب الذي لهم لدينا ، فنصرفه لننسى إساءتهم ، ونسحبه لنشري به رضاهم ، ونضمن بقاءهم.
ونرصد هناك أيضا حالات قطيعة بين أصدقاء ظلوا سوياً منذ طفولتهم ، فما ضعفت علاقتهم ، وما قلَّت محبتهم ، بالرغم من كثرة المواقف التي اعترضتهم ، فأزعجتهم ، ولفترات ليست طويلة فرقتهم ، ولكنهم عادوا لرصيدهم في خزائن أحبتهم فسحبوا منه ما يغفر زلتهم ، واشتروا به صداقتهم ، فكان ذاك الرصيد ثمنا للأسباب التي أرجعتهم ، وفي حياتنا أبقتهم.
وكذاك هو الحال بين الإخوة والأقارب ، والجيران والزملاء ومن نصاحب ، فكل شخص له في قلوبنا رصيد ، قد يقل وقد يزيد ، حسب مكانة الشخص وطبيعة علاقتنا به ، وقوة الرباط الذي يربطنا بهم ، ضعيفا كان وهشاً ، أو قويا وصلبا وكأنه من حديد.
ففي كل مرة نرجع بها لذاك الرصيد ونعرضه على الشخص من قريب أو بعيد ، لنحكم إن كان يكفي لعودته فله نُعيد ، ونبدأ معه من جديد ، وإن وجدنا أنه ليس بقادر على التسديد ، سنقطع علاقتنا بهم ، ونزيلهم من كشوفنا ، ونمحو أسماءهم من ذاكرتنا ، وكأنهم ما كانوا ، فإن ظلوا فما هم سوى رقم أو مجرد اسم في أرشيف الذاكرة ، وعن ذلك لا يزيد ولا يحيد.
ولكن من أعدناهم ، وجددنا لهم الرصيد ، ربما يعودوا لتصرفاتهم تلك ، ويعتمدوا على حبنا لهم ، وتجاوزنا عنهم ، فيتمادوا في إهمالنا ، ولا يحرصوا على إبقائنا ، وغرّهم بقاء الرصيد ، وكل ذاك التجديد ، فتوقعوا له العمر المديد ، وما دروا بأنه سيأتي يوم لن ينفع معه سحب ، ولا يبق به حب ، ولن تفلح محاولاتنا ولن تفيد ، فقد انتهى زمن البطاقة ، واستنفذت منا كل طاقة ، وما أخذنا لن يفيد ، وما حُرمنا لن نعيد ، فلا وجود لأي رصيد ، ولا ندري من المتضرر فينا ، ومن هو المستفيد ، فكلنا في شرع الحب قتيل أو شهيد.
فحافظوا على رصيدكم في قلوب أحبتكم ، وإن لم تكونوا قادرين على زيادته ، فلا تسعوا لإبادته ، وإن لم تستطيعوا أن ترفعوه ، فعلى الأقل لا تسحبوه ، ولا تعتمدوا دوما على العشم والحب والخاطر ، فهو غشم وكذب ، ونحن بذاك برصيدنا نخاطر ، فلا التجاهل ينفع ، ولا الابتعاد يجمع ، ولا العودة ستشفع ، ولا الاعتذار سيُسمع ، فإن انتهى رصيدكم فكل الأقلام ستُرفع ، والقلب لكم قد ودّع.
فقد انتهى رصيدكم لدينا ، ولا مجال للتجديد.
شئنا أم أبينا ، فما بيننا فجوة وكل يوم تزيد.
يكفي أننا حاولنا ، وإن لم يكن هذا ما نريد.
لنا ما لنا ، وعلينا ما علينا ، وبات الفراق هو الرأي السديد.
فقد انتهى رصيدكم لدينا ، ولا مجال للتجديد.
للتواصل مع الكاتبة bentalnoor2005@

