كان تقدير العامل في أي منظومة عمل قيمةً راسخة منذ آلاف السنين ومع مفهوم قانون الله على الأرض (لئن شكرتم لأزيدنكم) في حين يشكر العبد ربه فيغدقه تعالى بالزيادة ولله المثل الأعلى، فكيف الحال مع البشر بعضهم ببعض؟، ففي حين يعمل المهني عمله بكل اتقان وجب شكره بكل امتنان وهذا أقل واجب يقدمه رب العمل لموظفيه.
فالشكر والتقدير سمة النبلاء الذين يعرفون جيدًا متى وكيف يقدمون ذلك لمن يستحقونه، نظير نشاطهم، وجهودهم وتفانيهم، وأمانتهم.
ففي كل منظومة عمل، هناك من يعتلي المنصات، تُسلَّط عليه الأضواء، وتُغدَق عليه عبارات الشكر والتكريم، لكن خلف هذا المشهد اللامع، يقف جنود حقيقيون، يعملون بصمت، يدفعهم الإخلاص، ويشدّهم الإيمان بالمسؤولية، دون أن يُذكر اسمهم أو يُلتفت إلى عطائهم.
إنه تجاهل ممنهج، لا يمكن تبريره بمنطق المنصب أو الواجهة، بل هو خلل متجذر في ثقافة التقدير التي باتت تحتفي بالظهور لا بالإنجاز، وتكرّم الموقع لا الفعل.
أسئلة كثيرة تتبادر إلى ذهني كلما رأيت تكريمًا لا يعكس الجهد الحقيقي، وهو عند تكريم الموظف لم لا نبحث جيدًا عن استحقاقه للتكريم قبل ذلك؟ ولم لا يكون التكريم متجددًا كل مرة؟
هل من الطبيعي أن كل عام نفس الموظف هو دائمًا من يستحق الشكر والتقدير؟ أليس هناك من يعمل غيره؟ ومتى يستحق الموظف أو العامل التكريم؟ يكرم المدراء موظفيه في عدة جوانب منها: العمل بإتقان واجتهاد، الحضور المنتظم، السلوك الحسن، الابتكار والتجديد، الأمانة والتفاني والعطاء.
لكن أحيانًا، يذهب كل ذلك أدراج الرياح حين يقتصر المدير نظره على شخص واحد، ويرى فيه كل صفات الاستحقاق، دون أن يمنح غيره فرصة الظهور أو الاعتراف، بمعنى أن يكون المدير “منحازًا” لشخص دون البقية، إما لصداقة تربطهم، أو لصلة قرابة أو غير ذلك.
وهناك من يعملون خلف الأضواء لا يراهم أحد، ويعطون دون مقابل، ليقينهم أن النجاح ليس مندرج تحت التكريم، ولكن هناك من يستطيع أن يصل دون أن يظهر، وخير استدلال لذلك قول الرسول ﷺ “ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله”، الأجدر أن يُشكر ذلك الذي يعمل بصمت خلف ستار، ولا يرى عمله النور، وأحيانا قد ينسب عمله لغيره.
الذين يعملون خلف الأضواء هم الأجدر بالتكريم، هم الأحق أن تذكر أسماءهم في كل محفل، ومن واجب المدراء أن يبحثوا عن هؤلاء الذين يعملون خلف الأضواء ويكافؤوا وهم لأنهم أحق من غيرهم بذلك، فكم هناك من العاملين خلف الأضواء لم يذكروا حتى بكلمة شكر، فهذا من الظلم والاجحاف بحقهم.
خلف كل مدير هناك موظف جدير بالتكريم لأنه عمل بجد واجتهاد وانجز مهام المدراء على أكمل وجه، فمن المستحق للتكريم! المدير الذي أعطى المهام؟ أم الموظف الذي انجزه على أكمل وجه؟
في جميع المحافل يكرم الرؤساء والمدراء ولكن الموظف المجد والمثابر لا يذكر حتى بكلمة شكر، ولا يكتب اسمه في زاوية أو في ركن صغير، فكم من الرؤساء صعدوا على أكتاف موظفيهم الأكفاء، واستحقوا الأوسمة والشهادات دون وجه حق.
خلف كل نجاح يصفّق له الجميع، هناك وجوه لا تُرى، وأسماء لا تُذكر، وقلوب تكدّ وتتعب بصمت، يعملون بإخلاص، ويحملون عبء التفاصيل، ويصنعون الفارق الحقيقي دون أن يُسلّط عليهم الضوء أو يُقال لهم “شكرًا”.
إنهم جنود خلف الأضواء، وجودهم أساس، وعطاؤهم لا يُقدّر بثمن، ورغم ذلك، يُتجاهلون مرارًا وتُمنح أوسمة التقدير لغيرهم؛ لمن يتصدر المشهد دون أن يكون له دور يُذكَر.
فهل من وقفة أمام هذا الخلل؟ وهل من حكيم يعيد الحقوق لأهله؟ وهل سنرى يومًا ما تكريمًا لمن يعملون خلف الأضواء، ومن يذكرهم أو يقدر جهودهم؟
أرى أن يكون لنا وقفة في مسألة تكريم المهنيين وأن يعطى كل ذي حقٍ حقه دون إجحاف أو مبالغة، وأن تتساوى الرؤوس فالعمل والإنجاز تتساوى في كفة العدل والإنصاف.
وقفة مع الذات:
التكريم سنة حسنة فامنحوه لمن يستحقه، وابحثوا عن الذين ينحتون في الصخر ولا يراهم أحد، ينجزون في صمت، ويبقون خلف الأضواء دون إرادتهم.
للتواصل مع الكاتبة Zainab_Antaki@

