كان الناس قديمًا رغم ضيق ذات اليد أكثر سعة في القلب كانت المجالس عامرة بالوجوه والقلوب مفتوحة كأبواب البيوت التي لا تُغلق إلا في آخر الليل الجيران يعرفون بعضهم بعضًا بالحال والهمّ وكأن الجميع يعيش قصة واحدة موزعة على بيوت الحيّ كاملة.
ورحم الله والدي لقد كان مجلسه عامرًا دائمًا يفتح بابه من بعد صلاة العصر إلى ما بعد صلاة العشاء. رحم الله صحبتًا اجتمعوا على حب بعضهم البعض لا جمعتهم مصلحة ولافرّقتهم مشاغل كانوا كالجسد الواحد إن غاب أحدهم سألوا، وإن مرض، زاروا، وإن فرح، شاركوه.
لكن الزمن تغيّر. لم نعد نلتفت لمن حولنا، والتكنولوجيا رغم ما قدمته من تسهيلات سلبتنا جزءًا من حضورنا الحقيقي. نكتب “مبروك” في المناسبات و” الله يشفيه” للمريض في رسائل باردة لا تنقل حرارة الشعور ولا صدق القرب حتى تطوّر الأمر إلى داخل العائلات نفسها.
تحوّلت العلاقات الاجتماعية والأسرية إلى مساحات مؤقتة تظهر وتختفي حسب الانشغال والمصلحة أخبار الأحبة نعرفها من “حالات الواتساب” واللقاءات أصبحت مزيجًا من المجاملات والحرج لا تشبه دفء الأمس.
هذا التحول ليس كله سلبيًا لكنه يصبح خطرًا حين نعتاد البرود ونرضى بفتات العلاقات الاجتماعية والأسرية. نحتاج إلى إعادة النظر في روابطنا أن نسأل عن الغائب ونزور المريض لا أداءً لواجب بل بدافع إنساني صادق وابتغاءً للأجر والثواب.
الزمن لن يعود للوراء لكن بإمكاننا أن نعيد الحرارة إلى علاقاتنا والصدق إلى تواصلنا وأن نُبقي الروابط حيّة رغم تسارع الحياة.
ختامًا : العلاقات الاجتماعية والأسرية ليست ترفًا نُمارسه حين نفضى بل هي حاجة فطرية وركنٌ أصيل في توازن الإنسان وطمأنينته.
فلنحافظ عليها حيّةً صادقة قبل أن تذبل تحت سكون الأجهزة وتبرد تحت وطأة الكلمات المجاملة…ثم تختفي حتى مع اختفاء الأجهزة ذاتها.

