في الثاني من أغسطس عام 1990 سُجّل في التاريخ العربي يوم أسود لا يُنسى حين أقدم النظام العراقي بقيادة صدام حسين على ارتكاب جريمة غدر تاريخية باجتياحه دولة الكويت المسالمة الدولة التي لم تكن يوماً إلا واحة للخير والدعم والمروءة وخصوصاً في دعمها الثابت للقضية الفلسطينية منذ نشأتها.
لم يكن الغزو مجرد عدوان عسكري على دولة ذات سيادة بل كان الطعنة التي مزّقت الجسد العربي والرصاصة التي أصابت القضية الفلسطينية في مقتل فحين اجتاحت دبابات صدام أرض الكويت انفرط عقد التماسك العربي وتحوّل الحلم الفلسطيني إلى كابوس تتقاذفه المصالح والحسابات السياسية !!
قبل الغزو العراقي كانت الكويت تحتضن ما يقارب 400 ألف فلسطيني يعيشون فيها بكرامة وعزة يعملون في مؤسساتها الحكومية والتجارية ويرسلون الدعم لعائلاتهم في الأراضي المحتلة كانت الكويت سنداً حقيقياً للقضية دعماً مالياً وسياسياً وشعبياً وكانت مواقفها في المحافل الدولية ناطقة بالحق الفلسطيني لكن هذا الغزو المشؤوم جاء كهدية على طبق من ذهب للاحتلال الصهيوني الذي وجد فيه فرصةً لتشويه العلاقة بين الشعوب الخليجية والفلسطينية وإحداث شرخ في الصف العربي لا يزال أثره قائماً حتى اليوم !!
أما عن صدام حسين فقد رفع شعارات تحرير فلسطين ولكنه لم يطلق رصاصة واحدة نحو العدو الصهيوني حارب إيران لثماني سنوات خلّفت أكثر من مليون شهيد وخمسة ملايين يتيم ومعاق ثم جلس بعدها على طاولة التفاوض وتنازل عن كل شيء لإيران فكيف إذن يُستغرب منه غدره بالكويت ؟ !
ومن يعرف سيرة هذا الطاغية وسلوكه الدموي لا يتفاجأ بما فعل لقد غدر بأقرب رجاله : عبد الخالق السامرائي، عدنان خير الله (ابن خاله)، وفاضل البراك وغيرهم وكلهم انتهوا في مقابر الخيانة والخوف.
لكن التاريخ لا يُكتب فقط بيد الغادرين بل أيضاً بمواقف الشرفاء وهنا لا يمكن أن يُنسى الموقف الأخوي والتاريخي للمملكة العربية السعودية بقيادة الملك العظيم فهد بن عبدالعزيز رحمه الله الذي قال كلمته الخالدة : “ يا ترجع الكويت، يا تروح معها السعودية .”
كانت تلك العبارة تعبيراً عن موقف لا يقبل المساومة، وبياناً للمبدأ الذي قامت عليه المملكة في نصرة الأشقاء وفي الدفاع عن الحق والشرعية.
كما سطرت دول الخليج كافة أروع مواقف التلاحم ووقفت البحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان موقفاً موحداً مدركين أن المساس بالكويت هو مساس بالجميع وانضمت مصر بقوة إلى صفوف الحق وشكلت مع السعودية وقادة الخليج تحالفاً عربياً صلباً ساهم في تحرير الكويت وأعاد للعرب شيئاً من كرامتهم المهدورة !!
لم تكن الكويت عدواً بل كانت الداعم والمساند والمُحسن ولكن الطمع يعمي والغدر طبع لا يتغير ولعلّ أكبر خسائره لم تكن فقط سقوط العراق لاحقاً بل تمزّق الأمة العربية وتشتت الفلسطينيين وتحول قضيتهم العادلة إلى ملفات سياسية متفرقة بعد أن كانوا قضية الأمة المركزية !!
لقد دفعت الكويت ثمناً باهظاً لكنها وقفت من جديد شامخة معطاءة متمسكة بثوابتها ومنها دعم القضية الفلسطينية رغم الجراح أما صدام فقد دفع ثمن غدره وسقط سقوطاً مروعاً وانهارت دولته وتشردت عائلته وأصبحت نهايته درساً في عاقبة الظلم والطغيان !!
يقول الدكتور غازي القصيبي رحمه الله مخاطباً الجيش العراقي : سَيفنا كنت تأملْ سيفنا كيف أهدى قلبنا الجُرح العميقا !!
دِرعنا كنت وهذا دِرعنا حَربة في ظهرنا شبت حريقا !! جيشنا كنتَ أجبْ يا جيشنا كيفَ ضَيَّعْتَ إلى القدس الطريقا ؟!
الكويت ستبقى بلد الخير والسلام والوئام وستبقى “الحوبة” حاضرة لكل من غدر بها ولعل ما جرى هو شاهد صارخ أن الظلم لا يدوم وأن اليد التي تبطش بمكر تُقطَع يوماً بعد أن يفتضح أمرها ويسقط قناعها.
للتواصل مع الكاتب 96550538538+

