(التجارة بالبشر ).
لا أجيد تطويل المقدمات في مقالاتي، وربما لأنني أؤمن أن القارئ الواعي لا يحتاج إلى تمهيد طويل بقدر حاجته إلى فكرة صادقة تُطرح بوضوح. لذلك أدخل إلى الموضوع مباشرة، معتمدًا – بعد الله – على فطنة القرّاء وعمق فهمهم.
التجارة بالبشر، وانتهاك حقوقهم، ليست ظاهرة محصورة في بقعة جغرافية دون أخرى، بل هي آفة عالمية تشمل العالم بأسره، ومنه منطقتنا العربية. وهي ليست مقتصرة على بيع أعضاء الإنسان، أو الاتجار بجسده، أو امتهان كرامته بشكل مباشر فحسب، بل لها صور متعددة، وأساليب متخفية قد نمارسها أحيانًا دون أن نشعر.
فمن صورها: إجبار الأطفال على العمل في سن الطفولة، خاصة في ظروف قاسية، كبيع المناديل في الشوارع وتحت أشعة الشمس الحارقة، وسوء معاملة الخادمات والعمال، واستغلال النفوذ الوظيفي في ظلم العباد، والكذب الذي يُلبس الباطل ثوب الحق.
ومن صور التجارة بالبشر كذلك: ضرب الزوجة، وسوء معاملة الأبناء، وحرمان الفقراء من حقوق الزكاة، وعقوق الوالدين، والغش والكذب في البيع والشراء؛ فكلها أشكال من الاتجار بإنسانية الإنسان، وإن اختلفت المسميات.
كما أن التمييز بين الناس في بيوت الله، بحجز الصفوف الأولى لكبار القوم، أو في المناسبات الاجتماعية، حين تُخصص صالات لكبار الزوار، وتُقدّم المفطحات لفئة، ويُترك غيرهم على الهامش، هو صورة أخرى من صور الاتجار بحقوق المساواة التي كفلها الدين قبل أن تنادي بها القوانين.
ومن أخطر صور الاتجار بحقوق البشر: تصدّر غير الأكفاء للمناصب، وجلوس من لا يصلح في موضع القيادة، بينما يُقصى من هم أحق، وأعلم، وأتقى.
ولا يقل خطرًا عن ذلك: رفض تزويج بنات الأغنياء للفقراء، أو ردّ من رضينا دينه وأمانته لأجل المال أو الجاه؛ فذلك لون من ألوان الظلم الاجتماعي، والتجارة بحقوق البشر المغلفة بالعادات.
صور التجارة بالبشر كثيرة، ولا يتسع لها مقال واحد، غير أننا نحمد الله أن ديننا الإسلامي جاء ليحارب هذه الممارسات، ويجتث جذورها، ويؤكد على كرامة الإنسان وعدالة التعامل بين الناس.
ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك ما كان عليه سلفنا الصالح؛ إذ كان بعض المسلمين إذا دخلوا مسجد رسول الله ﷺ من خارج المدينة، يبحثون عن أمير المؤمنين، فيسألون: من فيكم أبو بكر؟ من فيكم عمر؟ لأنهم لم يجدوا بينهم من يتميز بلباس، أو مجلس، أو مظهر، فقد تساوى الجميع في إنسانيتهم وعبوديتهم لله.
ذلك هو الإسلام… وذلك هو العدل الذي غاب حين حضرت التجارة بالبشر.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


