ليست المشكلة في كثرة الكلام بل في قلّة من يفكّرون قبل أن يصدّقوا فقد أصبح من السهل على البعض أن يتخلّى عن عقله ويُسلّم مفاتيح حكمه للآخرين دون تمحيص أو تفكّر نسمع عن شخصٍ ما من رواية واحدة فتتشكّل لدينا صورة كاملة ونصدر حكمًا قاطعًا وكأننا شهود على كل ما جرى بينما قد تكون الحقيقة أبعد ما تكون عمّا قيل.
هذه الظاهرة ليست بسيطة بل خطيرة في أثرها، فكم من علاقة هجرت وكم من رحمٍ قطعت وكم من صداقاتٍ طويلة انتهت لا بسبب فعلٍ مباشر بل بسبب كلمة منقولة أو رأي مشحون أو حكاية ناقصة أُلبست ثوب الحقيقة.
المشكلة لا تكمن في سماع الكلام فالسماع جزء من الحياة وإنما في التسليم الأعمى، حين يتحوّل السمع إلى حكم والنقل إلى إدانة دون سؤال أو تثبّت نكون قد ألغينا عقولنا وعلّقنا ضمائرنا على شماعة الآخرين، والأسوأ من ذلك أن بعض الناس لا ينقل الحقيقة كما هي بل ينقلها كما يراها أو كما يريدها أو بما يخدم موقفه الشخصي.
فقدان الاستقلالية في اتخاذ القرار لا يحدث فجأة بل يتسلّل بهدوء، يبدأ حين نفضّل الراحة على التفكير، ونختصر الطريق بأحكام جاهزة بدل البحث والتأكّد. ومع الوقت نصبح أسرى آراء غيرنا نغضب لغضبهم ونقاطع بمنطقهم ونخاصم دون أن نعرف الحقيقة كاملة.
العقل وُهب لنا لنفكّر لا لنعطّله والعدل لا يتحقّق بسماع طرفٍ واحد والاستقامة الأخلاقية تقتضي التثبّت ومنح الناس حقّهم في أن يُسمَعوا قبل أن يُدانوا فليس كل صامتٍ مذنبًا وليس كل متحدثٍ صادقًا.
ختاماً : أخطر ما يمكن أن نخسره ليس علاقة ولا صداقة بل قدرتنا على التفكير المستقل حين نؤجّر عقولنا للآخرين، نُفرّط في إنسانيتنا، ونشارك دون أن نشعر في ظلمٍ قد لا يُجبر. فلنستعد عقولنا ولنحاكم الأمور بوعي ولنتذكّر دائمًا أن الكلمة أمانة والحكم مسؤولية وأن العدالة تبدأ من عقلٍ لا يُستأجر وضميرٍ لا ينام.
للتواصل مع الكاتب jttj110@gmailcom


