(القِمّة والقاع)
كنا يومًا في ذروة العزّ، حين كانت الشهامة خُلُقًا، والكرم سلوكًا، وكان القول الطيب والفعل النبيل نهجًا لا يُساوَم عليه. يوم كانت قدوتنا أمراءَ بالعدل، وعلماءَ بالحكمة، وأدباءَ بالخلق، وآباءً ومعلّمين يصنعون الرجال ويغرسون القيم.
كنا في شرفٍ ورفعة، لأننا عرفنا قدر أولئك، فاحترمناهم، وأجللناهم، فكانوا أهلًا للمكانة، وعلى قدر المسؤولية ثم انقلب المشهد، وبرز لنا زمنٌ جديد، تصدّر واجهته مطربون ومهرجون، وأشباه رجال، وفتيات منصات التواصل، تعرٍّ فكريّ، ورعيٌ للرذيلة، ومحتوى هابط لا يزن قولًا ولا فعلًا. دعايات تُشترى بثمن بخس، لا يبلغ قيمة وجبة عشاء، ومع ذلك تُمنح لها الأضواء والمنابر.
فبالله عليكم… أَهؤلاء قدوة؟ بل الأعجب أن يُتوَّج بعضهم نفسه بألقابٍ مستوردة جوفاء، وكأن الأسماء تصنع قيمة، أو الأضواء تمنح شرفًا. ولن تُحلّ هذه الأزمة ما لم نعترف بها أولًا؛ فالكثير مما يُسمّى بإعلام التواصل الاجتماعي ليس إلا كذبًا ودجلًا، ولهثًا خلف شهرةٍ بلا موهبة، ولا فكر، ولا رسالة. وهم – للأسف – أكثر عددًا من الأسوياء، الطيبين، أصحاب المحتوى الهادف.
وسرّ كثرتهم ليس قوة ما يقدمون، بل سهولة الظهور، ورخص الثمن، وهوان القيمة؛ حضورٌ يُشترى بعشاء، وإعلانٌ بخمسين ريالًا. كثروا عددًا، لكن العتب كل العتب على من يفتح لهم الأبواب، ويدعوهم إلى المنصات الرسمية، حتى بات المحترم يستحي أن يجلس إلى جوار أحدهم.
ومع ذلك، وللإنصاف، لا بد من القول: إن في إعلام التواصل قلةً نادرة، محترمة، واعية، تستحق التقدير والدعم ومع هذه المقدمة الثقيلة، يبقى التحدي قائمًا: من يضع حلولًا منطقية، فعّالة، تُطفئ شرار هذا الضجيج، وتحفظ الجيد، وتُبقي الخيار، وتمنح القيمة لأهلها؟
وقفة.
وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقِهم
فأقِمْ عليهم مأتمًا وعويلا
للتواصل مع الكاتب 0505300081


