الاحترام قيمة حضارية وإنسانية سامية، تُبنى عليها العلاقات بين أفراد المجتمع، وهو تعبير صادق عن تقدير الإنسان لكرامة أخيه الإنسان وحقه في التبجيل والتوقير.
فبقدر ما يسود الاحترام تسمو المجتمعات وتترسخ دعائمها الأخلاقية غير أنّ البعض – وللأسف – يخلط بين الاحترام الحقيقي والمظاهر الزائفة، فيربط التقدير بالمنصب أو المال أو الجاه، فيُعلي شأن صاحب السلطة والمكانة الاجتماعية، ويتغافل في الوقت نفسه عن صاحب القيم والمبادئ والأخلاق السامية وهنا يحدث الخلل؛ إذ يتم تجاهل قيمة العقل التي ميّز الله بها الإنسان عن سائر المخلوقات وهذا ميزان غير عادل، لأن المجتمعات لا يمكن أن تبلغ التميّز والرقي إذا جعلت معاييرها قائمة على المظاهر لا على الجوهر.
لقد بيّن الإسلام المعنى الحقيقي لقيمة الإنسان، وجعل معيار التفاضل قائمًا على التقوى والأخلاق، لا على المال أو النفوذ. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ – سورة الحجرات، الآية 13.
فالتقوى هنا لا تعني مجرد العبادة، بل تشمل منظومة واسعة من الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية التي يرسخها العقل الراجح و يدعو إليها الخالق سبحانه وتعالى.
وفي مواضع كثيرة من القرآن الكريم، جاء الخطاب موجّهًا إلى العقول: ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿لعلكم تعقلون﴾، ﴿أولي الألباب﴾، تحفيزًا للتفكر والتدبر وإعمال الفكر. ولم يكن الخطاب موجّهًا لأصحاب المال أو السلطان، بل لأصحاب العقول الراجحة والبصائر الواعية، تأكيدًا على أن العقل هو مناط التكريم وأساس المسؤولية.
إن الأمم التي تجعل من العقل معيارًا حقيقيًا للتميّز، ومقياسًا صريحًا للتفاضل، هي الأمم التي تتصدر المشهد الحضاري اليوم، وتمتلك زمام التقدم والريادة. فبالعقل تُصنع الحضارات، وبالأخلاق ينضبط السلوك الإنساني، وبهما معًا ترتقي الأمم وتزدهر.
وفي الختام، علينا أن نجعل من احترام العقل أساسًا في علاقاتنا الإنسانية، وأن نُعلي من قيمة الفكر والأخلاق فوق كل المعايير السطحية الزائلة. فحيث يُحترم العقل، يزدهر الإنسان، وحيث يُهمَل، تتراجع القيم ويختلّ الميزان.
وفي هذا يقول الشاعر الفيلسوف ابو العلاء المعري:
أيها الغرُّ إن خُصصَتَ بعقلٍ
فاسألنه فكلُّ عقلٍ نبِيُّ
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


