تجاهل الأحياء وبكاء الأموات!
-لماذا نُجيد رثاء الراحلين أكثر مما نُجيد احتواء الأحياء؟
لماذا نتقن لغة الدموع بعد الفقد، ونعجز عن لغة الرحمة قبل الفقد؟
في حياتنا اليومية نتخاصم، نتباعد، نتقاذف التهم، ونُثقل قلوب بعضنا بما فينا وما ليس فينا. تتصدع العلاقات، وتضيق الصدور، ونقلل الإنجازات، حسدا أو غيرة، أو لا مبالاة، بل ربما خلافات ومخاصمات تصل إلى أبواب المحاكم، ونحن ما زلنا نتنفس الحياة ذاتها. فإذا رحلوا، شعرنا بقيمتهم، وأدركنا حجم فقدهم؛ صمتت الألسنة التي كانت تجرح، وارتفعت الأكف بالدعاء، وانهمرت كلمات الثناء، وقصائد الرثاء، التي لم تعرف طريقها إليه في حياتهم.
-أليسوا أولى بالتقدير وهم في قمة العطاء؟ أليس الصفح أجمل من الرثاء، والتكريم أفضل من البكاء؟
-كان بيننا فقراء ومساكين أصحاب ديون ماليه كبيرة واصحاب أمراض وغيرهم كثير، عاشوا بيننا بضعفهم الإنساني قبل قوتهم؛ منهم من ضاقت به الدنيا فسُجن، ومنهم من أثقلته الديون، ومنهم من أنهكه المرض. -مررنا بجوارهم كما يُمرّ بجوار الغريب، حتى إذا غيّبهم الثرى، تسابقنا إلى الوفاء، وتزاحمنا على سداد الديون، وكأن الكرم لا يستيقظ فينا إلا عند إعلان الوفاة أي مفارقة هذه؟
-نقسو على الحي، ونُقدّس الميت نحصي عثرات الإنسان ما دام بيننا، فإذا رحل لم نرَ إلا محاسنه حتى الدولة- أعزها الله – تتسامح عند الموت، فتُطوى صفحات، وتُخفف تبعات، ويعلو صوت الرحمة على صوت المساءلة. أما وهو حي، فتتبعه أخطاؤه أينما ذهب، كظلٍ لا يفارقه.
-إذا أردت أن تُحسن، فأحسن الآن وإذا أردت أن تعفو، فاعفُ الآن وإذا أردت أن تقول كلمة طيبة، فقلها الآن فالقلوب التي ننتظر أن نرثيها، كانت يومًا تنتظر منا ابتسامة، أو عذرًا، أو يدًا تمتد قبل أن تفلتها الحياة.
-أيعقل أن يكون الموت هو الطريق الوحيد إلى التقدير؟ أيعقل أن يصبح الرحيل شرطًا للاعتراف بالفضل؟ إن أجمل الوفاء ما قُدِّم في حضرة الحياة، وأصدق الدعاء ما رُفع والإنسان يسمعه، وأعظم المحبة ما أُعلنت قبل أن تُكتب في سطور العزاء.
-فلا تجعلوا المقابر موسماً للمكارم، ولا تؤجلوا الرحمة إلى ما بعد الفقد أكرموا الأحياء… قبل أن تُحسنوا وداعهم.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


