للعيد روح ومكانة خاصة، تشعر بها القلوب على اختلاف الأعمار. تبدأ الحكاية من هدوء ما قبل صلاة العيد، ونشاهد حينها ازدحام الطرقات بوجوهٍ يملؤها الرضا والابتسامة، تتعالى التكبيرات من المآذن لتعلن أن هذا اليوم فرصة، تصفو فيه القلوب بالطيبة والتسامح والفرح.
في طفولتنا لم نكن نحسب الوقت بالساعات، بل باللحظات الجميلة والمناسبات التي لا تُنسى. أتذكر كيف كنا نضع الثوب الجديد وملابس العيد بجانب الوسادة، وننام ونحن نتحسسها نخشى أن تختفي قبل الصباح، ونستعجل متى نرتديها. نستيقظ وفي عيوننا البراءة التي تستعد للعيد بكل حماس ونشاط.
كان العيد وقتها حالة استثنائية، من عيدية نتفقد ملمسها في جيوبنا كل دقيقة، إلى انطلاقنا ركضاً نحو دكان حارتنا لشراء مسدسات الخرز والطرطعان ونتبادل الألعاب البسيطة التي كانت تملأ بيوتنا ضجيجاً بشقاوةٍ عفوية. كانت البنات يتباهين بشنطة العيد، مخزن الأسرار، العيدية والمرآة والحلوى، وتفوح من كفوفهن الصغيرة رائحة الحناء، بينما نجلس نحن الصبية في حلقات صغيرة، نعدّ كنوزنا في منافسة بريئة حول مَن جمع أكثر.
لم يكن هناك إنترنت وأجهزة ذكية وعالم السوشل ميديا يسرق انتباهنا، لذا كنا نعيش العيد يوماً بكامله في المرح، فيمتد حتى اليوم الرابع، بينما نرى أطفال اليوم تتركز فرحتهم غالباً في الساعات أو الدقائق الأولى فقط. هل تغير العيد في عيونهم؟ الحقيقة لا، لكن وسائل التسلية كثرت حولهم، وهي التي خطفتهم وشتتت تركيزهم، حتى أصبح العيد مجرد حدث إضافي لا يحمل أهمية لديهم. فاليوم نحن من ينظر لهم بعين الحنين، فنرى نقصاً في ابتهاجهم، بينما هم يعيشون عيدهم بما يملكون من أدوات عصرهم.
أما التواصل فكان في طرق الأبواب، لا رسائل عبر الجوال. تبدأ جولة الزيارات تلقائياً لبيوت الكبار، أجداد وجدات، أعمام وعمات، أخوال وخالات، وجيران وأصحاب لهم تقديرهم. لم نكن نشعر بالعيد إلا حين نُقبل رؤوس كبارنا ونسمع دعواتهم التي تعكس محبتهم الصادقة لنا، وعندها تملأ السعادة قلوبنا. هناك كانت تستقبلنا رائحة القهوة والبخور، والضحكات التي تتعالى في كل مجلس، حيث كل منزل ندخله يمنحنا شعوراً بأننا ضيوفه الأهم.
وما يلفت النظر اليوم هو قصور في اللقاءات الحيّة التي استبدلتها التقنية، بمعايدات معلبة وجاهزة فقط نختار ونمررها بضغطة زر، وكأننا نؤدي واجباً نريد إنهاءه سريعاً. ولا شك أن لرسائل التهاني دوراً نبيلاً، خاصة حين تباعدت المسافات وتفرقت البلدان، لكن المستغرب أن يجتمع الأقارب في مدينة واحدة وحيّ واحد، ثم يكتفون بمعايدة رقمية تُقرأ وتُنسى، بينما تبقى الزيارات أثرًا طيبًا لا يمحوه الزمن.
العيدُ موعدٌ يجدد المحبة، وفيه صلة الرحم ثابتة لا تتغير، وينتظر منا طرق الأبواب، لا ضجيج إشعارات الرسائل، وأن نُعيد للمصافحة حرارتها، فجمال هذا اليوم يكتمل في اللحظة التي تلتقي فيها العيون وجهاً لوجه، ونشعر فعلاً بقيمته الحقيقية.
للتواصل مع الكاتب – @sultan2030m


