لا أجد تفسيراً واضحاً لظاهرة لافتة لدى بعض من يرفعون شعارات القومية العربية .. فحين حدث سقوط بغداد 2003 وما تبعه من انهيار الدولة في العراق، اهتزّ العالم العربي لذلك المشهد المؤلم بسقوط عاصمة الرشيد وكان من المفترض أن تكون تلك اللحظة جرس إنذار كبير لكل من يتحدث باسم العروبة والكرامة العربية !!
لكن المفارقة أن كثيراً من تلك الأصوات نفسها لم نسمع منها موقفاً واضحاً أو صاخباً عندما تمدّد نفوذ إيران داخل العراق عبر ميليشياتها وأدواتها السياسية والعسكرية .. حتى أصبح هذا النفوذ واقعاً يتحدث عنه الجميع هنا خفتت الأصوات وكأن القضية لم تعد تمسّ الشعارات التي طالما رُفعت !!
والأعجب من ذلك أن بعض هذه الأصوات نفسها تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما يُقال إن دمشق عادت إلى محيطها العربي بعد سقوط نظام بشار الأسد المجرم المقرّب من طهران وتحررت من النفوذ الإيراني بل يهاجمون أي مسار يعيدها إلى فضائها العربي ويعارضون النظام الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً كبيراً : كيف يصمت من يرفع شعار العروبة أمام نفوذ غير عربي في دولة عربية ثم يغضب عندما يقال إن هذه الدولة تعود إلى محيطها العربي ؟
إنها ظاهرة تبدو وكأنها ازدواجية في المعايير أو انفصام في الخطاب السياسي !! فالقومية العربية في جوهرها ليست دفاعاً عن أنظمة أو أشخاص بل دفاع عن استقلال القرار العربي وصون سيادة الدول العربية .. وعندما تتحول المواقف إلى انتقائية يفقد الخطاب القومي معناه الحقيقي ويتحوّل من مبدأ إلى مجرد شعار.


