في زحام المدن الكبيرة، حيث تتسارع الحياة وتضيق المسافات بين الناس رغم اتساع الطرق، تبقى بعض البيوت قادرة على أن تُعيد للروح طمأنينتها، وتستحضر ذاكرة المكان الأول بكل ما فيها من دفء وألفة؛ هكذا تبدو ديوانية محمد بن مبارك محمد بخيت آل مسن، أحد أبناء مركز النويعمة بمحافظة وادي الدواسر، الذي لم يترك جذوره خلفه حين انتقل إلى العاصمة الرياض، بل حملها معه وزرعها في حي العزيزية جنوب العاصمة، لتكبر وتزدهر في صورة مجلس يومي نابض بالحياة.
منذ انتقاله مع أسرته، اتخذ من مجلسه بعد صلاة المغرب موعدًا ثابتاً للقاء، فتح فيه بابه دون تكلّف، وجعل منه مساحة إنسانية مفتوحة للجميع؛ جيراناً، وأصدقاء، ومعارف، وأبناء المحافظة الذين قادتهم ظروف الحياة إلى الرياض؛ ومع مرور الأيام، لم يعد المجلس مجرد مكان للجلوس، بل تحول إلى ديوانية حقيقية تنبض بروح النويعمة، وتجمع أطيافاً من أهلها في مشهد يعكس عمق الترابط الاجتماعي الذي يميز أبناء وادي الدواسر.
يحرص الكثيرون، خصوصاً من أهالي مركز النويعمة والمراكز المجاورة، على زيارة هذا المجلس، ليس فقط للسلام وتبادل التحايا، بل للقاء وجوه يعرفونها منذ أعوام، وربما منذ الطفولة؛ فهناك تتجدد العلاقات، وتُستعاد الذكريات، وتُبنى جسور جديدة من المودة؛ وفي تلك اللحظات، يختفي شعور الغربة، ويحل مكانه إحساس دافئ بأن المكان، مهما ابتعد، يمكن أن يعود في صورة مجلس يجمع القلوب.
ما يميز هذه الديوانية أن صدر صاحبها مفتوح للجميع، بلا حواجز أو تحفظات، وهو ما منح الزائرين شعوراً بالراحة والقبول، وشجعهم على التردد المستمر عليها؛ فالمجلس لا يُدار بروتوكولاً، بل بروح إنسانية صادقة، تُقدّر الحضور وتحتفي به، وتمنح كل من يجلس فيه مساحة ليكون جزءاً من الحكاية.
وفي تفاصيل الجلسات، تتنوع الأحاديث دون أن تفقد اتزانها؛ من الشأن الاجتماعي إلى أخبار المحافظة، مروراً بالذكريات الجميلة التي تعود بالحاضرين إلى أيام البساطة الأولى؛ فأحياناً، يتحول المجلس إلى ما يشبه المنتدى الثقافي أو الاجتماعي، تُطرح فيه قضايا الساحة، وتُناقش بوعي ونضج، بعيداً عن الضجيج أو السطحية؛ هناك، تتشكل آراء عميقة، تنبع من خبرات الحياة، وتُقال بهدوء واحترام، في مشهد يعكس رقي الحوار وأصالته.
ولا يُخفي أهالي النويعمة امتنانهم لهذا الدور، إذ يرون في هذا المجلس فرصة ثمينة للالتقاء، واستعادة روح الجماعة التي قد تُفقدها المدن الكبيرة؛ فهم يدركون أن فتح البيت بهذا الشكل ليس أمراً عابراً، بل امتداد لقيم راسخة توارثها صاحب المجلس عن آبائه وأجداده، الذين عُرفوا بالكرم والجود، وضرب بهم المثل في ذلك؛ وقد سار على نهجهم، محافظًا على إرثهم، ومضيفًا إليه بصمته الخاصة التي تلائم زمانه ومكانه.
إن ديوانية محمد بن مبارك آل مسن ليست مجرد مجلس، بل قصة تُروى عن الوفاء للمكان، وعن قدرة الإنسان على أن يحمل قيمه أينما ذهب، وأن يحول بيته إلى مساحة تجمع، وحكاية تكتب كل مساء، عنوانها الكرم، ومضمونها الإنسان.
للتواصل مع الكاتب @mawdd3



