لا تزال العنصرية بأشكالها المختلفة تمثل تحديًا في كثير من المجتمعات، فهي لا تقتصر على لون البشرة أو الجنسية، بل قد تمتد إلى القبيلة، والعمر، والجنس، والمستوى المادي، وحتى المهنة والمؤلم أن بعض الناس قد يحكم على شخص لمجرد أسمه أو نسبه، دون أن يعرف أخلاقه أو علمه أو إنسانيته.
في بعض المجتمعات العربية قد نسمع عبارات مثل: “هذا حربي”، أو “هذا مطيري”، أو “هذا عنزي”، أو “هذا شمري”، أو “هذا رشيدي”، أو غيرها من الأوصاف القبلية التي يستخدمها البعض للحكم على الأشخاص، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما وُلد عليه، لا بما صنعه من أخلاق وعمل.
والحقيقة أن القبائل جزء من تاريخنا وهويتنا الاجتماعية، وهي محل احترام، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى وسيلة للتفاخر أو التقليل من الآخرين أو إغلاق أبواب الفرص أمامهم.
كما أن العنصرية قد تظهر في صور أخرى؛ فهناك من يرفض شخصًا بسبب لون بشرته، أو يقلل من امرأة لأنها امرأة، أو يسخر من كبير السن، أو يحتقر شابًا لصغر عمره، أو ينظر إلى الفقير نظرة دونية، أو يعتقد أن صاحب المنصب أو المال أفضل من غيره.
لكن الإسلام جاء ليهدم هذه الموازين كلها، ويقيم ميزانًا واحدًا لا يتغير، وهو التقوى والعمل الصالح. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
هذه الآية لم تلغِ القبائل، وإنما أوضحت أن وجودها للتعارف والتواصل، لا للتفاخر ولا للتنابز ولا لاحتقار الآخرين وفي خطبة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى.”
ومن أجمل المواقف التي تعبر عن هذا المعنى، أن إحدى النساء كانت تنصح صديقتها فقالت لها من قلبها: “يا أختي، يمكن أنا ما أحفظ الأحاديث كلها، لكن أعرف أن ربي ما ينظر لاسمك ولا لقبيلتك ولا لونك، ينظر لقلبك وأخلاقك. إذا كنتِ طيبة وصادقة وتحترمين الناس، فأنتِ كريمة عند الله، ولا يضرك كلام أحد.”
كم نحتاج إلى هذا الفهم في بيوتنا ومدارسنا وأماكن عملنا ووسائل التواصل الاجتماعي. فالكلمة العنصرية قد تبدو بسيطة، لكنها قد تترك جرحًا في قلب إنسان يبقى معه سنوات.
إن المجتمعات لا تتقدم بالتصنيفات، وإنما بالعدل، والاحترام، وإعطاء كل إنسان حقه بناءً على كفاءته وأمانته وأخلاقه فالطبيب يُحترم بعلمه، والمعلم برسالته، والموظف بإتقانه، والإنسان بأخلاقه، لا بقبيلته أو لونه أو عمره.
لنكن ممن يجمعون القلوب، لا ممن يفرقونها. ولنجعل كلماتنا تبني الجسور بدلًا من أن تبني الحواجز فالإنسان لا يختار قبيلته ولا لونه ولا جنسه، لكنه يختار أخلاقه، وهي التي ترفع قدره عند الله وعند الناس.
للتواصل مع الكاتبة m_mrr@


