ضمن فعاليات جمعية مبتكرون المنبرية، أقامت الجمعية أمسية تاريخية أثرية في قاعة الروشن بالعاصمة المقدسة، بعنوان «عين زبيدة من نعمان وإعادة قراءة النص التاريخي»، ألقاها المؤرخ والآثاري الأستاذ – بدر اللحياني.
ويسر صحيفة الكفاح أن تنشر ملخص هذه المحاضرة، التي تناولت تاريخ المنشآت المائية المرتبطة بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وناقشت الروايات التاريخية المتعلقة بعين زبيدة وعين عرفة وعين حنين، في ضوء المصادر المبكرة والنقوش الأثرية والدراسات الهندسية والهيدرولوجية، مع التركيز على ضرورة التمييز بين إنشاء العين أول مرة، وما شهدته لاحقًا من تطوير وإصلاح وإعادة تشغيل.
مقدمة.
تقع مكة المكرمة في بيئة جغرافية جافة، ولذلك شكّلت مياه زمزم والآبار المحلية، عبر العصور، موارد أساسية لتلبية احتياجات السكان والحجاج. وقد جعلت محدودية الموارد المائية البحث عن مصادر إضافية ومستقرة تحديًا مستمرًا، الأمر الذي أفضى إلى ظهور مشروعات مائية متعددة، ارتبط بعضها بأسماء شخصيات تاريخية بارزة، وفي مقدمتها السيدة زبيدة بنت جعفر العباسية، في أواخر القرن الثاني الهجري.
وتستدعي دراسة هذه المشروعات إعادة قراءة الروايات التاريخية قراءة نقدية، تقوم على التمييز بين المصادر المبكرة والمتأخرة، وبين الأخبار التي تتحدث عن إنشاء العيون وتلك التي تشير إلى إصلاحها أو تطويرها وإعادة تشغيلها. فليس من الضروري أن تكون جميع المنشآت التي ارتبطت لاحقًا باسم زبيدة قد أُنشئت في فترة واحدة، كما لا يلزم أن تكون صورتها المعروفة في المصادر المتأخرة مطابقة لصورتها الأولى.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلها مؤرخو مكة المكرمة والرحالة في تدوين الأحداث التاريخية وتوثيق المنجزات الحضارية، فإن الكتابة التاريخية المحلية شهدت فجوة ملحوظة، بدرجات متفاوتة، بين القرن الرابع والتاسع الهجريين. ومن هنا تبرز أهمية الاستعانة بالنقوش والشواهد الأثرية والدراسات الهندسية والهيدرولوجية، إلى جانب النصوص التاريخية، لاستكمال الصورة التاريخية للمنشآت المائية وفهم المراحل التي مرت بها.
وتنطلق هذه الدراسة من تساؤل رئيسي: هل كانت عين عرفة، التي ارتبط اسمها لاحقًا بعين زبيدة، مشروعًا أنشأته السيدة زبيدة في أواخر القرن الثاني الهجري، وظلت تفاصيله الإنشائية والتاريخية على حالها، أم أنها مرت بمراحل متعاقبة من الإنشاء والتطوير والإصلاح، اندمجت أخبارها في روايات تاريخية متأخرة؟
كما تبحث الدراسة في العلاقة بين عين عرفة وعين حنين، وفي تطور أنظمة جلب المياه إلى مكة المكرمة، ومدى ما تكشفه المصادر التاريخية عن تاريخ هذه المنشآت ونسبة إنشائها إلى الشخصيات التي ارتبطت بها.
وقد حظيت عين زبيدة بدراسات تاريخية وهندسية متعددة؛ إذ تناول الدكتور ناصر الحارثي تاريخها في كتابه الآثار الإسلامية في مكة المكرمة. كما قدم المهندس الدكتور عمر أبو ريزية دراسة هيدرولوجية وتاريخية بعنوان جوانب الإبداع الهندسي لمشروع عين زبيدة، ضمن ندوة مكة المكرمة عاصمة الثقافة الإسلامية عام 1426هـ. وأنجز الدكتور عادل غباشي دراسة أكاديمية بعنوان المنشآت المائية لخدمة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة منذ القرن العاشر حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري: دراسة حضارية.
ومن الشواهد المهمة في هذا المجال النقوش الثلاثة التي أشار إليها إبراهيم رفعت باشا في كتابه مرآة الحرمين، ونشر الدكتور محمد بن فهد الفعر صورًا لها ودرسها ضمن رسالته تطور الكتابات والنقوش في الحجاز منذ فجر الإسلام حتى منتصف القرن السابع الهجري. وتكتسب هذه النقوش أهمية خاصة في دراسة تاريخ عين عرفة، ولا سيما ما يتصل بأعمال الإصلاح التي شهدتها في القرن السادس الهجري.
ولا تهدف هذه الدراسة إلى استقصاء جميع ما كُتب عن العين، وإنما إلى تحليل نماذج مختارة من النصوص والشواهد، ومقارنتها وفق منهج نقدي يميز بين الخبر التاريخي الصريح والاستنتاج المحتمل، وصولًا إلى قراءة أكثر دقة لمراحل تطور المشروع وتاريخه.
أولًا: مشروع زبيدة المائي في أواخر القرن الثاني الهجري
تذكر الروايات التاريخية أن السيدة زبيدة، خلال زيارتها مكة المكرمة سنة 174هـ، بحسب ما ورد في رواية الأزرقي في كتابه أخبار مكة، أمرت بإنشاء بركة وجلب المياه إليها من ثقبة، المعروفة اليوم بمحلة العدل، عبر مسار يبلغ نحو 5 كيلومترات. غير أن هذه المحاولة، وفق الرواية المتداولة، لم تحقق الغاية المنشودة في توفير إمداد مائي كافٍ ومستقر.
وفي سنة 193هـ، تجدد الاهتمام بمشكلة المياه، وفق الرواية المطروحة في المصادر التاريخية، واستُعين بمهندسين قدموا من العراق للبحث عن مصادر مائية أكثر استدامة. وترد أخبار هذا الاهتمام لدى الأزرقي، المتوفى سنة 250هـ، والفاكهي، المتوفى سنة 273هـ، مع ارتباط وصول المهندسين بسنة 194هـ، بحسب الروايات المشار إليها.
وتشير هذه الأخبار إلى أن البحث عن الموارد المائية امتد إلى المنطقة الواقعة شمال شرقي الحرم، باتجاه وادي حنين، على مسافة تقارب 30 كيلومترًا. كما تتناول الاهتمام بعين مشاش، والاستفادة من عدد من العيون الأخرى، منها الزعفران وثقبة والبرود والطارقي وميمون والخريبات، وصولًا إلى مصدر مائي رئيسي عند ذيل جبل طاد في وادي الصدر، حيث تذكر الرواية أن زبيدة أمرت بشراء البساتين وإدخالها ضمن المشروع.
ومن الناحية الهندسية، يُحتمل أن تكون بعض هذه العيون قد دخلت ضمن منظومة مائية متكاملة، اعتمدت على القنوات والأنفاق الأرضية والخرزات والبرك، ضمن مشروع عين المشاش الذي يُنسب إلى زبيدة سنة 194هـ.
غير أن إثبات العلاقة بين هذه المنشآت، وتحديد تاريخ كل منها، والتحقق من نسبة إنشائها إلى زبيدة، فضلًا عن تحديد أصول المهندسين والتقنيات التي استخدموها، يتطلب الاستناد إلى شواهد تاريخية وأثرية مستقلة. فالتشابه في التصميم الهندسي لا يكفي وحده لإثبات أن المنشآت جميعها تعود إلى مشروع واحد أو إلى مرحلة زمنية واحدة.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين الأخبار التي تتناول إنشاء مورد مائي جديد، وتلك التي تشير إلى إصلاح مورد قائم أو تطويره، وعدم افتراض أن جميع المنشآت المرتبطة باسم زبيدة قد أُنشئت في فترة واحدة أو وفق تصميم ثابت لم يتغير.
ثانيًا: عين نعمان وتطور أنظمة جلب المياه
ارتبطت عين نعمان بمنظومة مائية تقوم على جلب المياه من ذيل جبل الكر، حيث يوجد نبع مائي، ثم توجيهها إلى بركة الأوجر، وهي من البرك الكبيرة التي يختلف دورها عن دور البرك الممتدة على درب زبيدة؛ إذ تتمثل وظيفتها في استيعاب المياه القادمة من ذيل جبل الكر، ومنها تُنقل المياه عبر قناة تمتد، وفق المعلومات الواردة في الدراسة، لمسافة تقارب 36 كيلومترًا باتجاه منى.
وفي سنة 726هـ، شهدت المنظومة المائية تطورًا مهمًا؛ إذ بعث أمير العراقين جوبان مهندسًا مائيًا بارعًا، وطلب منه إعادة مياه العينين، مشاش وعرفة، بعد انقطاع طويل. وتذكر الرواية نجاح المهندس في إعادة المياه، وهو ما أورده تقي الدين الفاسي، المتوفى سنة 832هـ، في ترجمته للأمير جوبان، وهي ترجمة موسعة تبرز جهوده في هذا المجال، وتكتسب أهمية خاصة عند دراسة النصوص المتعلقة بمراحل إصلاح العيون وإعادة تشغيلها.
وفي عهد السلطان المملوكي قايتباي، سنة 875هـ، حدث تطور نوعي في النظام المائي لعين عرفة. فبعد أن لاحظ المهندسون ضعف النبع المائي عند جبل الكر، اتجهوا إلى البحث عن مصدر أكثر استدامة، الأمر الذي ارتبط بالانتقال من النظام العيني إلى النظام الداؤودي، وهو نظام يختلف في آليته الهندسية عن النظام السابق، ويعتمد على الوصول إلى المياه الجوفية بواسطة الأنفاق والقنوات المحفورة وفق انحدارات محسوبة.
وفي هذا السياق، اختير وادي العقم، الموازي لجبال الهاوة في وسط وادي نعمان، لحفر أم العين والوصول إلى الخزان الجوفي. ويمكن فهم هذا التحول بوصفه انتقالًا من الاعتماد على النبع الطبيعي الظاهر إلى الاستفادة المباشرة من المياه الجوفية، ضمن ما يُعرف بالنظام الداؤودي.
وتشير المعطيات الواردة في الدراسة إلى الاستغناء عن نحو 12 كيلومترًا من المسار المرتبط بجبل الكر، وتقليص طول القناة بنحو 30%، مع الاعتماد على المياه الجوفية بدلًا من الاقتصار على نبع طبيعي يتفاوت تصريفه. وإذا تأكدت هذه التفاصيل من خلال المصادر الأصلية والدراسات الفنية، فإنها تمثل تحولًا مهمًا في أساليب استثمار الموارد المائية في المنطقة.
ويمكن، من الناحية التحليلية، التمييز بين نمطين رئيسيين لجلب المياه في الحجاز:
1. النظام العيني: يعتمد على الينابيع والمياه الظاهرة عند سفوح الجبال وفي بطون الأودية، ثم نقلها عبر القنوات إلى مواقع الاستهلاك.
2. النظام الداؤودي: يعتمد على الوصول إلى المياه الجوفية من خلال الأنفاق والقنوات المحفورة وفق انحدارات محسوبة، بما يسمح بتجميع المياه ونقلها إلى الخارج.
ولا يعني هذا التصنيف بالضرورة أن النظامين منفصلان تمامًا؛ إذ يمكن أن يجتمعا ضمن منظومة واحدة بحسب طبيعة التضاريس ومصادر المياه المتاحة. ولذلك، فإن المقارنة بين عيني حنين وعرفة تستلزم دراسة مصادر المياه ومعدلات التصريف ومسارات القنوات والمنشآت المساعدة وأعمال الصيانة التي طرأت عليها، قبل استخلاص النتائج المتعلقة باستدامة كل منهما.
ثالثًا: النصوص التاريخية بين عيني حنين وعرفة
1. الأزرقي والفاكهي: دلالة المصادر المكية المبكرة
يُعد الأزرقي، المتوفى نحو سنة 250هـ، من أقدم مؤرخي مكة المكرمة. وقد ذكر عين مشاش، المعروفة لاحقًا بعين حنين، وربطها بالسيدة زبيدة، لكنه لم يذكر عين عرفة صراحة في النصوص المتعلقة بهذا الموضوع، بحسب المادة التي تناولتها الدراسة.
وجاء الفاكهي، المتوفى نحو سنة 273هـ، بأخبار قريبة من رواية الأزرقي، فذكر عين مشاش دون إشارة صريحة إلى عين عرفة في النصوص المتاحة.
ويثير غياب اسم عين عرفة عن هذه الأخبار سؤالًا تاريخيًا مهمًا بشأن زمن ظهورها وطبيعة علاقتها بالمشروعات المائية المنسوبة إلى زبيدة. ومع ذلك، لا يكفي غياب الاسم وحده لنفي وجود العين في تلك الفترة؛ فقد يرجع ذلك إلى عدم وصول أخبارها إلى المؤرخين، أو إلى عدم تناولهم لها في المواضع التي وصلت إلينا من مؤلفاتهم.
كما أن القول بفقدان أجزاء من كتاب الفاكهي لا يحسم المسألة؛ إذ ينبغي التحقق من مدى اكتمال المادة المتعلقة بالمياه في النص المتاح، وتحديد ما إذا كانت الأخبار التي يُتوقع ورود ذكر العين فيها محفوظة بالفعل. فالدلالة التاريخية لغياب الخبر تتوقف على طبيعة النص ومدى شموله للموضوع، لا على مجرد عدم ورود الاسم.
2. الطبري والمسعودي: بين إنشاء العين وإعادة تشغيلها
ذكر الطبري، في سياق أحداث سنة 245هـ، أن عين مشاش غارت بسبب زلزال وقع قبل ذلك، ويُرجح في الرواية المطروحة أنه حدث سنة 241هـ، وأن الخليفة المتوكل بعث الأموال لإعادة إخراج مائها.
وتبرز أهمية هذا الخبر في أنه يوضح ضرورة التمييز بين إنشاء العين للمرة الأولى وإعادة تشغيلها بعد انقطاع مائها أو تعطل منشآتها. فإعادة إخراج الماء لا تعني بالضرورة إنشاء مصدر جديد، وإنما قد تشير إلى معالجة أسباب الغور أو إصلاح القنوات والمنشآت المرتبطة بالعين.
كما نسب المسعودي، المتوفى سنة 346هـ، حفر عين مشاش إلى زبيدة. غير أن هذه النسبة تتعلق بعين مشاش، ولا يصح نقلها تلقائيًا إلى عين عرفة دون دليل مستقل يثبت العلاقة بينهما.
وتشير الأخبار المنقولة عن الطبري والمسعودي إلى حضور عين مشاش في الرواية التاريخية المبكرة، في حين لا يظهر ذكر صريح لعين عرفة في النصوص المشار إليها. ويظل هذا التفاوت في الحضور النصي نقطة أساسية عند دراسة تاريخ العينين، مع مراعاة اختلاف أغراض المؤرخين وطبيعة الأخبار التي اختاروا تدوينها.
3. ابن جبير والنقوش الصخرية: شواهد القرن السادس الهجري
زار ابن جبير مكة المكرمة سنة 579هـ، وذكر المصانع والبرك في عرفة، وربطها بعهد زبيدة. وتدل شهادته على حضور اسم زبيدة في الذاكرة التاريخية للمنشآت المائية في المنطقة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد المقصود بعين عرفة تحديدًا دقيقًا، أو لإثبات أنها أُنشئت للمرة الأولى في عهدها.
أما النقوش التي أوردها إبراهيم رفعت باشا في كتابه مرآة الحرمين، فيعود تاريخها، بحسب ما نقله، إلى سنتي 583هـ و594هـ، وترتبط بأعمال إصلاح عين عرفة في عهد الخليفة العباسي الناصر لدين الله.
وقد تمكن الدكتور محمد بن فهد الفعر من تصوير هذه النقوش ودراستها ضمن بحثه في تطور الكتابات والنقوش في الحجاز، مقدمًا قراءات لها وإضاءات تاريخية تتصل بمضمونها.
وتكتسب هذه النقوش أهمية خاصة؛ لأنها تقدم شاهدًا ماديًا مؤرخًا على معرفة عين عرفة في القرن السادس الهجري وخضوعها لأعمال إصلاح خلال تلك الفترة، وفق القراءة المنشورة لها.
ومع ذلك، ينبغي عدم تحميل النقوش أكثر مما تحتمل؛ فإثبات أعمال الإصلاح في تاريخ معين لا يعني أن العين أُنشئت في ذلك التاريخ، كما أن توثيق وجودها في القرن السادس الهجري لا يحسم تاريخ تأسيسها الأول. وتتمثل قيمة هذه الشواهد في أنها تتيح الانتقال من الاعتماد على الرواية النصية وحدها إلى الاستناد إلى دليل مادي يمكن فحصه ومقارنة قراءاته.
4. ابن الأثير وتقي الدين الفاسي: تطور الرواية التاريخية
عاد ابن الأثير، المتوفى سنة 630هـ، إلى خبر غور عين مشاش وإعادة إخراج مائها، في سياق قريب من الرواية التي أوردها الطبري. ويبدو أن الخبر يندرج ضمن سلسلة من النقول التاريخية المتداولة، الأمر الذي يستدعي مقارنة ألفاظ الروايتين وسياقيهما قبل الحكم على مدى استقلال إحداهما عن الأخرى.
ولا يقدم هذا الخبر، بصورته المشار إليها، شهادة مستقلة على إنشاء عين عرفة؛ إذ ينصب على عين مشاش وما تعرضت له من غور وإعادة تشغيل.
أما تقي الدين الفاسي، المتوفى سنة 832هـ، فيمثل حلقة مهمة في تطور الرواية التاريخية المتعلقة بمياه مكة المكرمة. فقد نقل في كتابه العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين خبرًا عن اهتمام زبيدة بعيون مكة وعرفة ومنى، موضحًا أنه وجده بخط بعض المؤرخين.
وتكشف هذه العبارة عن اعتماده على نقل سابق، لكنها لا تتيح وحدها تحديد المصدر الأول للخبر أو تاريخ تدوينه.
وفي موضع آخر، عند ترجمته لأبي النصر الفارسي، ذكر الفاسي أن الماء أُجري من عرفات إلى مكة في قنوات عملتها زبيدة. وتبدو نسبة المشروع إلى زبيدة في هذه العبارة أكثر وضوحًا، إلا أن تحديد مدلولها التاريخي يظل مرتبطًا بفحص النص كاملًا وسياقه وطبيعة القنوات المقصودة، وما إذا كانت العبارة تتعلق بإنشاء المنظومة من أساسها أو بأعمال تطوير شملت منشآت قائمة.
ومن هنا، فإن روايات الفاسي تمثل حلقة مهمة في تاريخ نسبة المنشآت المائية إلى زبيدة، لكنها تحتاج إلى المقارنة بالمصادر التي اعتمد عليها، مع التمييز بين الأخبار التي ينقلها عن مؤرخين سابقين وما يورده في سياق التراجم والسرد التاريخي.
5. ابن فهد والقطبي والروايات المتأخرة
ذكر النجم عمر بن فهد الهاشمي، المتوفى سنة 885هـ، عين مشاش بالاسم المعروف في عصره، وهو عين بازان، ونسبها إلى زبيدة. غير أن النصوص المشار إليها لا تقدم شهادة مماثلة منه بشأن تأسيس عين عرفة.
وفي القرن العاشر الهجري، برز قطب الدين النهروالي، المعروف بالقطبي، في كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام، برواية أكثر تفصيلًا في نسبة عين عرفة إلى زبيدة. فقد وصف مسارًا مائيًا يبدأ من منبعه، ويلتف حول جبل الرحمة، ويمتد عبر مزدلفة إلى منى، وصولًا إلى بئر زبيدة في المحلة المعروفة اليوم بالششة.
ويمثل هذا السرد تطورًا ملحوظًا في مستوى تفصيل الرواية التاريخية؛ إذ لم يقتصر على نسبة العين إلى زبيدة، بل قدم وصفًا لمسارها ومراحل امتدادها عبر المشاعر المقدسة. وقد اعتمد عدد من المؤرخين المتأخرين على هذه الرواية، ومنهم العصامي في كتابه سمط النجوم العوالي، والقاضي عيد في رسالته، والصباغ.
ويمكن تفسير شيوع هذه الرواية بأن تفاصيلها وفرت للمؤرخين اللاحقين مادة سردية متكاملة، في ظل محدودية النصوص الأقدم التي تصف مسار عين عرفة بالدرجة نفسها من التفصيل. غير أن هذا التفسير يظل بحاجة إلى التحقق من علاقات النقل بين المؤلفين، ومقارنة ألفاظهم ومصادرهم.
ولا يعني تأخر الرواية بالضرورة أن مضمونها نشأ في زمن مؤلفها؛ فقد يكون القطبي قد اعتمد على مصادر أقدم لم تصل إلينا. وفي المقابل، لا يجوز اعتبار جميع تفاصيل روايته ثابتة لمجرد أن عددًا من المؤرخين اللاحقين نقلوها عنه.
وعليه، تمثل رواية القطبي شاهدًا مهمًا على استقرار نسبة عين عرفة إلى زبيدة في التأريخ المكي، كما توفر مادة تاريخية تستحق الدراسة، لكنها لا تغني عن نقد مصادر الأخبار ومقارنتها بالنقوش والشواهد الأثرية.
رابعًا: هل بقيت عين عرفة على صورتها الأولى؟
لا ينبغي النظر إلى عين عرفة باعتبارها منشأة ثابتة منذ عصر زبيدة؛ فالمشروعات المائية الكبرى تتعرض عادةً للإصلاح والتوسعة وتغيير المسارات وإعادة بناء أجزاء من منشآتها. وقد تتبدل مصادر المياه وطرق نقلها تبعًا للظروف الطبيعية والاحتياجات العمرانية، بما يجعل الصورة النهائية للمشروع حصيلة مراحل متعاقبة من العمل والتطوير.
ومن الضروري، في دراسة تاريخ العين، التمييز بين ثلاثة مستويات رئيسية:
1. التأسيس: ويشمل تحديد تاريخ إنشاء العين للمرة الأولى، وطبيعة مصدرها المائي، والجهة أو الشخصية التي أمرت بإنشائها.
2. التطوير: ويتناول التغييرات التي طرأت على مصادر المياه ومسارات القنوات والأنفاق والمنشآت المساعدة، وما قد يصاحبها من توسعة أو إعادة تصميم.
3. الإصلاح والتشغيل: ويشمل أعمال الصيانة والترميم وإعادة المياه إلى الجريان بعد الغور أو الانقطاع أو تعرض المنشآت للتلف.
إن عدم الفصل بين هذه المستويات قد يؤدي إلى نسبة المشروع بصورته الكاملة إلى شخصية واحدة، مع أن صورته المعروفة في المصادر المتأخرة ربما تكون حصيلة أعمال تراكمت عبر قرون.
وتشير المقارنة بين النصوص إلى أن عين مشاش حظيت بذكر واضح في المصادر المبكرة، في حين تظهر عين عرفة بوضوح أكبر في بعض الشواهد والنصوص اللاحقة. وتوثق النقوش المنقولة أعمال إصلاحها في القرن السادس الهجري، بينما يحفظ الفاسي أخبارًا متفاوتة في درجة وضوح نسبتها إلى زبيدة، ثم يقدم القطبي رواية أكثر تفصيلًا عن مسارها في القرن العاشر الهجري.
وبناءً على ذلك، يمكن طرح فرضية تاريخية مفادها أن عين عرفة مرت بمراحل متعددة من الإنشاء والتطوير والإصلاح، وأن بعض الروايات المتأخرة ربما جمعت أخبار هذه المراحل في سرد واحد. غير أن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى الاختبار من خلال مراجعة النصوص الأصلية، والتحقق من قراءات النقوش وتواريخها، ودراسة المسارات المائية والمنشآت الأثرية ميدانيًا.
خامسًا: العوائق التي أضعفت استدامة مشروع عين زبيدة
واجهت المنظومة المائية، بمختلف مراحلها ومنشآتها، تحديات طبيعية وإنشائية أثرت في استمرارية تدفق المياه، وجعلت الصيانة والترميم ضرورة متكررة للحفاظ على كفاءتها. ويمكن تصنيف هذه التحديات في محورين رئيسيين:
1. المخاطر البيئية
اعتمدت المنظومة على مصادر مائية تتأثر بالأمطار والتغيرات المناخية؛ إذ تتفاوت معدلات تصريف الينابيع في الحجاز، وقد تتراجع كميات المياه أو تنقطع خلال فترات الجفاف، وهو ما ينعكس على استمرارية الإمداد المائي.
كما تمثل السيول خطرًا على القنوات والخرزات والمنشآت المائية؛ إذ قد تؤدي إلى تدمير بعض أجزائها أو ردمها بالرواسب، الأمر الذي يستدعي أعمالًا متكررة للكشف عن الأعطال وإعادة التأهيل.
وتشير بعض الروايات إلى فترات طويلة من تعطل الإمداد المائي، قيل إنها بلغت نحو 150 عامًا. غير أن تحديد مدة الانقطاع وأسبابه يتطلب الرجوع إلى مصادر تاريخية محددة والتحقق من دلالات الأخبار الواردة فيها، مع التمييز بين الانقطاع الكامل للمياه وتراجع تدفقها أو تعطل أجزاء من المنظومة.
ومن العوامل المحتملة أيضًا امتداد جذور الأشجار إلى شقوق القنوات وفواصلها، بما قد يسهم في توسيعها وتسرب المياه منها، ولا سيما في المقاطع المدفونة التي يصعب فحصها بصورة مباشرة. غير أن تقدير أثر هذا العامل في المشروع تحديدًا يحتاج إلى شواهد ميدانية.
2. المخاطر الفيزيائية والإنشائية
تعرضت المنشآت المائية، بحكم طبيعة البيئة المحلية، لتغيرات حرارية متكررة نتيجة التفاوت بين درجات الحرارة ليلًا ونهارًا. وقد يسهم هذا التفاوت، مع مرور الزمن، في زيادة الإجهادات داخل مواد البناء وتوسيع الشقوق والفواصل.
كما أن تدهور طبقات الجص أو انفصالها عن الأسطح قد يؤدي إلى تسرب المياه وضعف تماسك بعض أجزاء البناء، بحسب خصائص المواد المستخدمة وظروف تعرضها.
وتشير الشقوق والتصدعات التي قد تظهر في أسطح الخرزات والمنشآت الحجرية إلى مظاهر محتملة للتقادم الإنشائي، لكن تحديد أسبابها بدقة يتطلب فحصًا ميدانيًا يميز بين تأثير الحرارة وضغط التربة وتسرب المياه والهبوط الأرضي وسائر العوامل المؤثرة.
كذلك قد تؤثر الهزات الأرضية في القنوات المدفونة والمنشآت الحجرية، خصوصًا إذا كانت تعاني ضعفًا سابقًا غير أن نسبة التصدعات إلى الزلازل بوصفها سببًا رئيسيًا لا تصح دون أدلة جيولوجية وإنشائية تدعم ذلك.
وتكشف هذه العوامل مجتمعة عن طبيعة التحديات التي واجهت استدامة المنظومة المائية؛ فإصلاح القنوات والمنشآت لا يضمن وحده استمرار تدفق المياه ما دامت المصادر الطبيعية متذبذبة، وما دامت المنشآت معرضة للسيول والتسرب والتدهور التدريجي.
ومن ثم، فإن دراسة أسباب تعطل العين ينبغي أن تجمع بين التاريخ والجيولوجيا والهندسة والهيدرولوجيا، بدلًا من ردّ الانقطاع إلى عامل واحد دون أدلة كافية.
الخاتمة.
تكشف إعادة قراءة تاريخ عين زبيدة عن أهمية تجاوز الاكتفاء بالروايات المتأخرة، والعودة إلى النصوص المبكرة والنقوش والشواهد الميدانية، مع التمييز بين ما تثبته المصادر صراحة وما يمكن استنتاجه منها، وبين تاريخ إنشاء المنشأة وتاريخ إصلاحها أو تطويرها.
فقد حظيت عين مشاش، المرتبطة لاحقًا بعين حنين وعين بازان في الروايات التاريخية، بحضور واضح في المصادر المبكرة؛ إذ تناولها الأزرقي والفاكهي، ثم وردت أخبار غورها وإعادة إخراج مائها عند الطبري، وتناولت مصادر أخرى نسبتها إلى زبيدة. أما عين عرفة، فلا تظهر بالوضوح نفسه في النصوص المبكرة التي تناولتها هذه الدراسة، بينما تبرز في شواهد ونصوص لاحقة.
وتوفر النقوش المنقولة عن سنتي 583هـ و594هـ شاهدًا مهمًا على وجود عين عرفة وأعمال إصلاحها في القرن السادس الهجري، وفق قراءتها المنشورة، لكنها لا تحسم بمفردها تاريخ تأسيسها الأول أو هوية من أمر بإنشائها.
كما يمثل تقي الدين الفاسي حلقة مهمة في تطور الرواية التاريخية، من خلال ما حفظه من أخبار منقولة عن مؤرخين سابقين، في حين قدم القطبي في القرن العاشر الهجري وصفًا أكثر تفصيلًا لمسار العين، أصبح مرجعًا لعدد من المؤرخين المتأخرين.
ومن هنا، لا تقتصر القضية على إثبات نسبة عين عرفة إلى زبيدة أو نفيها، بل تمتد إلى تحديد أقدم شاهد تاريخي عليها، والكشف عن المراحل التي مرت بها، ومعرفة ما إذا كانت الروايات المتأخرة تصف مشروعًا واحدًا متكاملًا، أم تجمع أخبار منشآت وأعمال متعاقبة امتدت عبر قرون.
وتبقى فرضية تعدد مراحل الإنشاء والتطوير والإصلاح احتمالًا جديرًا بالدراسة، لا نتيجة نهائية محسومة. ويتطلب اختبارها مقابلة النصوص الأصلية، وتحديد مصادر الروايات المتأخرة، والتحقق من قراءات النقوش وتواريخها، وربط ذلك بنتائج الدراسات الأثرية والهيدرولوجية والهندسية.



