هل تأملتم يومًا كيف تنام المدينة التي علمت الدنيا كيف تعزف ترانيم الوجد، وكيف يتحول نغم الياسمين في شوارعها العتيقة إلى أنين مكتوم يمزق شغاف الأفئدة؟ يا تعز الجميلة يا سدرة المجد وسليلة حضارة سبأ ومأرب، ما الذي فعلوه بجسدك الطاهر؟ وكيف تجرأت العقول الطينية الجامدة أن تحيل مرافئ ثقافتك ورواق جمالك إلى خنادق للموت، وأن تكسر أشرعة سفينتك المعلقة بين أطياف ماض فخور ورياح حاضر مثخن بالفواجع العاتية؟
لقد رموها في بئر الغدر وحاصروها بركام الخذلان، ثم عادوا يتباكون على منابر المنظمات كذبًا وزيفًا كأنهم الأبرياء، بينما جرح تعز ينزف في عتمة الليل المطبق بلا ضماد. إن الحقيقة العارية التي تكشفها أوجاع هذه المدينة تفضح قبح الأنفس التي استعذبت شهوة السيطرة والاستعراض بالنفوذ الغاشم فسرقوا من البراعم الناشئة أرجوحة الطفولة، وحولوا المدارس والمحاريب المقدسة إلى ساحات للمكابدة والهم، حارمين بلاد التنوير من أبسط مقومات النماء والسكينة التامة.
إن طربال التناسي وغرابيل البؤس التي يحاول الخاملون حجب عين شمس الحقيقة بها عن وجع الجار الشقيق، هي صدمة صارمة لا يجوز غسلها بـالبرود الساذج أو المكابرة الصدئة. كيف يهون على ذي لب وعقل أن يرى بلاداً شيدت بهندسة الحنين، وكانت منبع النور ومطلع الفجر للبيان العربي، وهي تمشي على جمر الحصار والأسى الطويل دون أن تتحرك في عروق الغافلين يقظة الوعي الصارم؟ إن التوكل الصادق وتطبيق مقاصد الشريعة النظيفة لا يكونان بالعيش.
في عتمة النزق وترك تعز تنزف وحيدة خلف حجب الصمت، بل بـإرساء مقاصد الرحمة واللين والإنصاف لحماية كرامة هذا الكيان البشري من الانحدار نحو هاوية النسيان.
إن الخلاص لا يكمن في البكاء عند أطلال المدينة، بل في يقظة حقيقية تطهر السرائر وتعيد هندسة المواقف الشريفة لإنقاذ ما تبقى من روح هذه الحالمة تعز الجميلة لا تنتظر دمعًا واهيًا أو دبلوماسية تصنع من الحبر وعودًا تتبخر مع أول شعاع شمس، بل ترقب تكاتفًا يفك أسر الألوان السجينة في أفقها ليعيد لعين المكلوم ضحكتها الموءودة ويفتح بوابات الأمان، سائلين الله العظيم العلي أن يتداركها بلطفه الخفي وجبره المدهش الذي يحنو على الضعف البشري، لتبقى تعز مشعل ضياء لا ينطفئ وعاصمة للنقاء الثقافي الذي يتجاوز حدود الزمن والمسافات.
إن من يرقب لوحة الوجع الصامتة من وراء زجاج الأيام ثم لا يستوقفه نحيب الحبر ودموع الأبرياء في تعز، قد فاته أعظم دروس الوجود؛ فالتاريخ لا يعود بأشخاصه بل يعود بحماقاته العتيقة لمن لم يتعظ بمصارع الغرور ستبقى تعز طودًا شامخًا يستوي بملء الشرف على عرش الصمود والمقاومة الواعية، وستظل قضيتها وثيقة عهد تليد نيأس من انقطاعه، ليعلم كل مخدوع تائه وسط ضباب الأيام أن الأسباب مهما عظمت لا تستقل عن مشيئة رب السماوات، وأن النور سيبزغ يومًا لتشرق الأرض ببرد التعافي واليقين الباصر.
للتواصل مع الكاتب [email protected]


